زعماء الاتحاد الأوروبي يضاعفون جهودهم لتحرير التجارة وتبسيط القوانين

كشفت وثيقة مسرّبة أن زعماء الاتحاد الأوروبي سيطالبون مؤسسات الكتلة بتسريع تنفيذ المرحلة التالية من أجندة تحرير الاقتصاد الأوروبي خلال قمة المجلس الأوروبي المقرر عقدها في 23 أكتوبر/تشرين الأول الجاري.
وتظهر الوثيقة التي اطلع عليها موقع بوليتيكو، أن تحرير التجارة وتبسيط القوانين أصبحا في مقدمة أولويات الاتحاد في ظل تباطؤ النمو وارتفاع الديون في عدد من دوله الأعضاء.
وبحسب المسودة، سيؤكد قادة الاتحاد في بيانهم الختامي المرتقب على “الحاجة إلى المضي قدماً بشكل عاجل في أجندة تبسيط وتنظيم أفضل على جميع المستويات”، في إشارة إلى خطط واسعة لتقليص الأعباء البيروقراطية وتحفيز الاستثمار في الأسواق الأوروبية.
ويأتي هذا التوجه في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأوروبي ضغوطًا متزايدة من تباطؤ الإنتاج الصناعي، وارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع القدرة التنافسية أمام الأسواق الآسيوية والأمريكية.
وتشير الوثيقة إلى أن زعماء الاتحاد سيحثّون المفوضية الأوروبية — الذراع التنفيذية للاتحاد — والبرلمان الأوروبي على تسريع العمل في مشاريع القوانين التي تهدف إلى خفض التدابير التنظيمية المعقدة باعتبارها “مسألة ذات أولوية قصوى”.
حزم “التبسيط” الجديدة
من بين البنود البارزة في الوثيقة، دعوة المفوضية إلى إطلاق ما يُعرف بـ“حزم الحافلات” التنظيمية التي طُرحت هذا العام، وهي مجموعة إصلاحات تهدف إلى تسهيل بيئة الأعمال في قطاعات رئيسية تشمل السيارات، والتنقل العسكري، والقطاع الرقمي، والبيئة، وسلامة الأغذية.
كما يوصي النص بضرورة “التقدم بسرعة في مراجعة لائحة REACH” الخاصة بالمواد الكيميائية، وهي إحدى أكثر القوانين تأثيرًا في الصناعة الأوروبية. وتؤكد المسودة أن المراجعة يجب أن توازن بين حماية البيئة ودعم تنافسية الشركات الأوروبية في الأسواق العالمية.
وإلى جانب ذلك، تطالب الوثيقة المسؤولين الأوروبيين بتحديد “إمكانات إضافية لتعزيز التبسيط والقدرة التنافسية”، ضمن تقرير شامل عن وضع النظام المصرفي في السوق الموحدة المتوقع صدوره في عام 2026.
التحديات السياسية والتجارية
القمة المرتقبة في بروكسل ستشهد نقاشات مكثفة حول التوازن بين تحرير الأسواق وحماية المعايير الاجتماعية والبيئية. فبينما تدفع بعض الدول، مثل ألمانيا وهولندا، باتجاه تسريع التحرير التجاري وخفض الأعباء عن الشركات، تبدي دول أخرى، مثل فرنسا وإسبانيا، مخاوف من أن يؤدي ذلك إلى تراجع معايير السلامة والعمالة.
ومن المتوقع أن تتضمن القمة أيضًا مناقشات حول ملفات أخرى مرتبطة بالسياسة الاقتصادية والأمنية، مثل التحول الأخضر في الصناعة الأوروبية، وتعزيز القدرات الدفاعية المشتركة، وقوانين الهجرة الجديدة، إلى جانب تمويل أوكرانيا في ظل استمرار الحرب الروسية.
وفي رسالة الدعوة التي وجّهها رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إلى القادة الأوروبيين يوم الاثنين، أشاد بما وصفه بـ“التقدم الملحوظ في تبسيط البيئة التنظيمية للشركات”، لكنه حذر في الوقت نفسه من “ضرورة تسريع وتيرة تخفيف الأعباء البيروقراطية ومنع ظهور أعباء جديدة”.
وشدد كوستا على أن المرحلة المقبلة تتطلب “تنسيقًا سياسيًا واقتصاديًا غير مسبوق بين مؤسسات الاتحاد لضمان استدامة النمو وتعزيز ثقة المستثمرين”.
نحو اقتصاد أوروبي أكثر مرونة
تأتي هذه التحركات في وقت تسعى فيه بروكسل إلى تعزيز مرونة الاقتصاد الأوروبي في مواجهة التحديات العالمية، لا سيما المنافسة التكنولوجية من الصين والولايات المتحدة، والحاجة إلى تقليل الاعتماد على الواردات في مجالات الطاقة والمعادن والتكنولوجيا الدقيقة.
ووفقًا لمسؤول أوروبي تحدث لبوليتيكو، فإن الهدف من خطة “التبسيط الاقتصادي” هو “تحويل الاتحاد الأوروبي من بيروقراطية ثقيلة إلى اقتصاد ديناميكي وجاذب للاستثمار”.
ومع اقتراب موعد القمة، يبقى السؤال الأبرز: هل يستطيع الاتحاد الأوروبي — وسط الانقسامات الداخلية والضغوط الاقتصادية — تنفيذ هذه الإصلاحات الجريئة دون التضحية بالمعايير البيئية والاجتماعية التي تُعدّ جوهر المشروع الأوروبي ذاته؟



