
يستعد قادة دول الاتحاد الأوروبي لعقد أول نقاش مخصص على مستوى رؤساء الدول والحكومات حول الذكاء الاصطناعي قبل نهاية العام، في خطوة تعكس تحولاً في النظرة الأوروبية إلى هذه التكنولوجيا من ملف تنظيمي ورقمي إلى قضية ترتبط بالأمن القومي والتنافسية الاقتصادية والنفوذ الجيوسياسي.
وأكدت مؤسسات الاتحاد الأوروبي أن رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا يعتزم إدراج الذكاء الاصطناعي على جدول أعمال إحدى القمم الأوروبية الثلاث المتبقية هذا العام، والمقرر عقدها في أكتوبر أو نوفمبر أو ديسمبر، فيما بدأت التحضيرات للمناقشة رغم عدم اعتماد جدول الأعمال النهائي حتى الآن.
ويمثل هذا الاجتماع أول مرة يخصص فيها قادة الدول الأعضاء الـ27 جلسة مستقلة لمناقشة الذكاء الاصطناعي، بعد سنوات كان خلالها الملف يُطرح ضمن نقاشات أوسع تتعلق بالاقتصاد الرقمي أو القدرة التنافسية للاتحاد.
ويعكس القرار إدراكاً متزايداً داخل بروكسل بأن التطورات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي تجاوزت الإطار التنظيمي التقليدي، وأصبحت تمثل تحدياً استراتيجياً يتطلب قرارات سياسية على أعلى المستويات، في ظل احتدام المنافسة العالمية بين الولايات المتحدة والصين على قيادة هذا القطاع.
وتزايدت المخاوف الأوروبية مع التطور السريع للنماذج المتقدمة القادرة على تنفيذ مهام معقدة، بما في ذلك اكتشاف الثغرات الإلكترونية واختبار الأنظمة الرقمية، وهو ما دفع العديد من الحكومات إلى التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره ملفاً يمس الأمن القومي إلى جانب أبعاده الاقتصادية والتكنولوجية.
وفي المقابل، لا تزال القواعد الدولية المنظمة لتطوير هذه التقنيات واستخدامها محل جدل، مع استمرار التنافس بين القوى الكبرى حول الجهة التي ستضع المعايير العالمية لتنظيم الذكاء الاصطناعي واختبار نماذجه المتقدمة.
ويأتي التحرك الأوروبي في وقت تشهد فيه الساحة الدولية سباقاً متسارعاً في هذا المجال، إذ دعت الصين إلى توسيع التعاون الدولي في تطوير الذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع استضافة شنغهاي مؤتمراً دولياً ضم أكثر من عشرين دولة ناقشت مستقبل التكنولوجيا وآليات تطويرها.
وفي الوقت نفسه، تتواصل الدعوات داخل الولايات المتحدة لإنشاء هيئة تنظيمية متخصصة تتولى وضع معايير موحدة لاختبار نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، بما يعكس تنامي الاهتمام العالمي بحوكمة هذه التكنولوجيا.
وشهدت الأشهر الأخيرة تصاعد الضغوط داخل الاتحاد الأوروبي لإعطاء الملف أولوية سياسية أكبر، بعدما طالب عشرات النواب في البرلمان الأوروبي بعقد قمة أوروبية خاصة بالذكاء الاصطناعي، معتبرين أنه يمثل أهم تحول هيكلي يشهده العالم في الوقت الراهن.
ودعت الرسالة التي وجهها النواب إلى تناول الملف بصورة شاملة، تشمل الابتكار والأمن والأخلاقيات والتأثيرات المجتمعية والبيئية والجيوسياسية، بدلاً من الاكتفاء بالجانب التنظيمي أو الاقتصادي.
كما أيد أكثر من مئة خبير أوروبي هذا التوجه، داعين إلى رفع الذكاء الاصطناعي إلى مستوى الأولويات السياسية العليا داخل الاتحاد، مؤكدين أن الاهتمام المستمر من قادة الدول يعد شرطاً أساسياً لتنفيذ السياسات المستقبلية في هذا القطاع.
وشدد الخبراء على ضرورة تسريع الاستثمار في القدرات الحاسوبية والبنية التحتية الرقمية الأوروبية، بما يتيح للاتحاد تعزيز قدرته التنافسية وتقليص الفجوة مع الولايات المتحدة والصين في مجالات الذكاء الاصطناعي المتقدم.
وأكد رئيس المجلس الأوروبي أن تطوير الذكاء الاصطناعي يجب أن يترافق مع احترام المبادئ الأخلاقية وحماية السيادة الرقمية الأوروبية والحفاظ على النموذج الاجتماعي للاتحاد، مشيراً إلى أهمية تشجيع الاستثمار والابتكار وتوسيع برامج التعلم المستمر، مع توفير ضمانات لحماية القاصرين وصون القيم الأوروبية.
ويأتي هذا التوجه في وقت يشهد فيه الاتحاد الأوروبي نقاشات متواصلة حول مستقبل قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، حيث دعا عدد من القادة إلى مراجعة بعض بنوده أو تأجيل تطبيقها لتخفيف الأعباء التنظيمية على الشركات وتعزيز القدرة التنافسية للصناعات الأوروبية.
ويرى مراقبون أن إدراج الذكاء الاصطناعي لأول مرة كملف مستقل على جدول أعمال القادة الأوروبيين يعكس انتقال الاتحاد إلى مرحلة جديدة في التعامل مع هذه التكنولوجيا، تقوم على اعتبارها قضية أمن قومي وتنمية اقتصادية في آن واحد، في ظل تسارع الابتكار العالمي واتساع تأثيرات الذكاء الاصطناعي على مختلف القطاعات الحيوية.



