وثائق أوروبية مسرّبة: معهد توني بلير يضغط لإقحام الاتحاد الأوروبي في إدارة غزة

كشفت مراسلات داخلية صادرة عن مؤسسات في الاتحاد الأوروبي عن تحركات مكثفة يقودها معهد توني بلير للتغيير العالمي لإشراك بروكسل مباشرة في ترتيبات سياسية وإدارية تخص قطاع غزة، في مسعى وُصف داخل الوثائق بأنه يهدف إلى منح الاتحاد «دوراً بارزاً» في الملف الفلسطيني، بالتوازي مع مبادرات تقودها الولايات المتحدة.
وتُظهر الوثائق، المؤرخة بين يناير وفبراير 2026 وتحمل أرقام تسجيل رسمية في منظومة الأرشفة الأوروبية (ARES)، محاضر اجتماع عاجل عُقد في 16 ديسمبر 2025 بين ممثلين عن معهد بلير ومسؤولين أوروبيين مختصين بملف الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
وتكشف المحاضر عن رسائل سياسية مباشرة، تتجاوز الطابع الإنساني المعلن، إلى هندسة أدوار ونفوذ في غزة والضفة الغربية.
ووفق «النقاط الرئيسية والمتابعات» الواردة في المحضر، طلب معهد بلير ترتيب لقاء بين توني بلير والمفوضة الأوروبية لشؤون المتوسط دوبرافكا شويتسا على هامش منتدى دافوس أو «في مناسبة أخرى»، مع دعوة صريحة لإشراك ديوان المفوضية (CAB) في استكشاف الخيارات. وتُظهر الصياغة إصراراً على فتح قناة سياسية رفيعة، لا مجرد تواصل تقني.
وتذهب الوثيقة أبعد من ذلك، إذ تنص على «اهتمام TBI بالعمل مع الاتحاد الأوروبي على الإصلاحات»، مع التأكيد على أن هذا التعاون «سيضيف إلى الإصلاحات السياسية التي يدفع بها المعهد»، بما يشمل الانتخابات والدستور وقانون الأحزاب الجديدة.
ورغم التنبيه إلى «عدم تحميل مصفوفة الإصلاح الأوروبية أكثر من طاقتها»، فإن الرسالة العامة واضحة: المعهد يسعى ليكون شريكاً في صياغة الإطار السياسي الفلسطيني المقبل.
الأكثر إثارة للجدل هو ما ورد صراحة في المحضر من أن «الاتحاد الأوروبي يجب ألا يكون خجولاً، وله دور بارز يلعبه في غزة/إسرائيل–فلسطين»، مع الإشارة إلى «استعداد الولايات المتحدة للعمل مع الاتحاد والانفتاح على التفاوض».
وتضيف الوثيقة أن للاتحاد «أوراق ضغط» على السلطة الفلسطينية وإسرائيل، وأن «المال موجود» لدى أطراف إقليمية مثل قطر والإمارات والسعودية، ويمكن «التأثير على حماس» عبر هذه القنوات.
وأثارت هذه اللغة، التي تتعامل مع المساعدات والتمويل كأدوات نفوذ سياسي مباشر، انتقادات خبراء اعتبروا أنها تعكس مقاربة «إدارة نزاع» أكثر من كونها سعياً لحل عادل، وتعيد إنتاج منطق الوصاية على القرار الفلسطيني.
كما أن الإشارة إلى «قناعة TBI بأن للاتحاد دوراً في مجلس السلام (BoP)» توحي بمحاولة ربط بروكسل بمبادرات خارج إطار الأمم المتحدة، ما يطرح أسئلة حول الشرعية الدولية.
وتُظهر الوثائق أيضاً تبايناً داخل المؤسسات الأوروبية. فبينما تُسجل الملاحظات وجود انفتاح أميركي وتصور لدور أوروبي موسع، سبق لمسؤولين أوروبيين أن عبّروا علناً عن تحفظات على مبادرات موازية للأمم المتحدة، محذرين من تضارب التفويضات وتسييس الإغاثة وإعادة الإعمار.
وسياسياً، تكشف المراسلات عن عودة توني بلير إلى واجهة ملفات الشرق الأوسط، لكن هذه المرة عبر معهد خاص يسعى إلى لعب دور «الوسيط التقني–السياسي» بين واشنطن وبروكسل وعواصم إقليمية.
غير أن منتقدين يرون في هذا الدور امتداداً لنهج قديم يخلط بين الاستشارات والسياسة، ويُغلف التدخلات بلغة «الإصلاح» و«الاستقرار».
في المقابل، لم يصدر تعليق رسمي من المفوضية الأوروبية على مضمون الوثائق حتى الآن، كما لم يعلن معهد بلير تفاصيل إضافية حول طبيعة «الإصلاحات» المقترحة أو معايير إشراك الفلسطينيين أنفسهم في صياغتها وهو ما يزيد من حدة التساؤلات حول الشفافية وحدود الدور الذي يُراد للاتحاد الأوروبي أن يلعبه.



