أزمة دبلوماسية صامتة: السفير الأميركي لدى فرنسا يتجاهل الاستدعاء الرسمي

دخلت العلاقات الدبلوماسية بين فرنسا والولايات المتحدة مرحلة توتر جديدة بعد أن تخلّف السفير الأميركي لدى باريس تشارلز كوشنر عن تلبية استدعاء رسمي إلى وزارة الخارجية الفرنسية، في خطوة وُصفت في الأوساط الدبلوماسية بأنها غير مسبوقة ومخالفة للأعراف المتعارف عليها بين الدول الحليفة.
وأفاد دبلوماسي فرنسي مطّلع، طلب عدم الكشف عن اسمه التزاماً بالتقاليد المهنية، أن كوشنر لم يحضر جلسة الاستماع التي كانت مقررة يوم الاثنين في مقر وزارة الخارجية الفرنسية، وذلك على خلفية تعليقات ومنشورات صدرت عن الحكومة الأميركية على وسائل التواصل الاجتماعي تناولت مقتل ناشط يميني متطرف في مدينة ليون مطلع الشهر الجاري.
وبحسب المصدر نفسه، فإن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو قرر اتخاذ خطوة تصعيدية عبر تقييد وصول السفير الأميركي المباشر إلى أعضاء الحكومة الفرنسية، متهماً إياه بإظهار “سوء فهم واضح للتوقعات الأساسية من سفير يُفترض أن يمثل بلاده وفق قواعد الاحترام المتبادل”.
وقال الدبلوماسي الفرنسي إن هذا القرار لا يعني قطع القنوات الدبلوماسية، موضحاً: “لا يزال بإمكان السفير تشارلز كوشنر أداء مهامه الرسمية والتوجه إلى مقر وزارة الخارجية في كاي دورسيه لإجراء التبادلات الضرورية، بما يسمح بتسوية الخلافات التي تنشأ حتماً في إطار صداقة تمتد لأكثر من 250 عاماً بين البلدين”.
ولم تصدر السفارة الأميركية في باريس تعليقاً فورياً على طلبات الصحافة، ما زاد من حدة التكهنات حول موقف واشنطن من هذه الخطوة الفرنسية، وما إذا كانت تمثل موقفاً شخصياً من السفير أم توجهاً سياسياً أوسع من الإدارة الأميركية.
وتعود جذور الأزمة الحالية إلى منشورات أعاد حساب السفارة الأميركية في فرنسا نشرها على منصة “إكس”، تضمنت بياناً صادراً عن مكتب مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية الأميركية، أشار إلى أن “التطرف اليساري العنيف في ازدياد”، وربط بشكل مباشر بين هذا التطرف ومقتل الشاب كوينتين ديرانك، البالغ من العمر 23 عاماً، الذي قُتل خلال شجار وقع على هامش مؤتمر سياسي في ليون.
وتخضع عناصر يُشتبه بارتباطها بجماعات يسارية متطرفة لتحقيقات قضائية في القضية.
وأثارت هذه المنشورات استياءً واسعاً في باريس، إذ اعتبرتها الحكومة الفرنسية تدخلاً في مسار قضائي حساس ومحاولة لتسييس حادثة مأساوية لم تُستكمل التحقيقات فيها بعد.
وقال بارو في مقابلة إذاعية إن بلاده “لن تسمح باستغلال هذه المأساة لأغراض سياسية”، مضيفاً بلهجة حادة: “ليس لدينا دروس نتلقاها في مسألة العنف من قوى رجعية دولية”.
ولا تُعد هذه المرة الأولى التي يجد فيها تشارلز كوشنر نفسه في مواجهة مباشرة مع السلطات الفرنسية. ففي العام الماضي، تم استدعاؤه أيضاً على خلفية مقال نشره في صحيفة “وول ستريت جورنال” اتهم فيه فرنسا بعدم بذل جهود كافية لمكافحة معاداة السامية، ما أثار آنذاك ردود فعل رسمية غاضبة في باريس.
وعقب ذلك الاستدعاء السابق، قال كوشنر في مقابلة مع قناة LCI الفرنسية: “أنا هنا لأداء مهمة. إذا كان الرئيس دونالد ترامب أراد اختيار أفضل دبلوماسي لإرساله إلى فرنسا، فقد أخطأ الاختيار، فأنا لست الأفضل”، في تصريح اعتبره مراقبون دليلاً على فتور علاقته بالمؤسسة الدبلوماسية الفرنسية.
ويرى محللون أن تجاهل السفير الأميركي للاستدعاء الأخير يمثل تصعيداً نوعياً في الخلاف، ويعكس هشاشة متزايدة في العلاقات عبر الأطلسي، في وقت تواجه فيه أوروبا والولايات المتحدة تحديات سياسية وأمنية مشتركة.
وبينما تحرص باريس على إبقاء الخلاف ضمن أطر دبلوماسية مضبوطة، فإن استمرار هذا السلوك قد يفتح الباب أمام أزمة أعمق تُلقي بظلالها على واحدة من أقدم العلاقات الثنائية في التاريخ الحديث.



