أكبر حرائق الغابات في تاريخ إسبانيا تتحول إلى أزمة سياسية محتدمة

تسببت أكبر حرائق غابات تشهدها إسبانيا في تاريخها الحديث في تصاعد الضغوط السياسية على حزب الشعب المحافظ، مع اتساع رقعة النيران في عدة أقاليم وارتفاع الانتقادات بشأن جاهزية السلطات الإقليمية للتعامل مع الكارثة، وذلك قبل أقل من عام على انتخابات عامة مرتقبة.
وأجبرت الحرائق، التي اندلعت خلال الأيام الماضية، أكثر من 100 ألف شخص على مغادرة منازلهم بعد امتدادها إلى مناطق مدريد وأفيلا وطليطلة وكاستيلون، فيما حذرت السلطات من احتمال تفاقم الأوضاع مع توقعات بارتفاع درجات الحرارة إلى نحو 40 درجة مئوية خلال الأيام المقبلة.
وتولت الحكومة المركزية الإسبانية تنسيق الاستجابة للأزمة، بينما تقع المسؤولية القانونية عن خدمات الإطفاء وإدارة الغابات والاستجابة الأولية للطوارئ على عاتق الحكومات الإقليمية، التي يسيطر حزب الشعب على 11 منها من أصل 17 إقليماً.
ورغم استمرار حزب الشعب في تصدر استطلاعات الرأي استعداداً للانتخابات المقررة عام 2027، يواجه الحزب انتقادات متزايدة بشأن مستوى الاستعداد لمواجهة حرائق الغابات، إضافة إلى اتهامات بتقليص الاستثمارات المخصصة للوقاية وخدمات الإطفاء.
وأثارت رئيسة إقليم مدريد إيزابيل دياز أيوسو جدلاً بعد تصريحاتها بشأن الانتقادات التي وجهها بعض السكان لأولويات حكومتها، بعدما اتهمها مواطنون بتخصيص موارد أكبر لدعم مصارعة الثيران بدلاً من تعزيز قدرات أجهزة الإطفاء.
وردت أيوسو بالقول إن قطاع مصارعة الثيران كان من بين المتضررين من الحرائق، مشيرة إلى خسائر لحقت بالأراضي والمواشي، واعتبرت أن خصومها السياسيين يحاولون استغلال الأزمة لأغراض سياسية.
في المقابل، طالبت قوى المعارضة بإجراء مراجعة شاملة بعد انتهاء عمليات الإطفاء، تشمل تقييم أوضاع رجال الإطفاء، وسياسات الوقاية من الحرائق، والتعامل مع تحديات تغير المناخ.
ويشير منتقدون إلى أن حكومة إقليم مدريد خصصت هذا العام نحو 7.2 مليون يورو لدعم قطاع مصارعة الثيران، معتبرين أن ذلك يعكس اختلالاً في أولويات الإنفاق العام.
ويرى خبراء في إدارة الكوارث أن الحكومات الإقليمية تتحمل المسؤولية الأساسية عن إدارة الغابات ووضع خطط الوقاية والاستجابة للحرائق، في ظل النظام الإداري اللامركزي الذي تتبعه إسبانيا.
كما سلطت الأزمة الضوء على التحالفات التي تجمع حزب الشعب مع حزب “فوكس” اليميني في عدد من الأقاليم، إذ يتهم معارضون هذه التحالفات بتبني مواقف متحفظة تجاه سياسات مكافحة تغير المناخ، وهو ما يرون أنه يؤثر في السياسات البيئية.
في المقابل، يؤكد خبراء أن مواجهة حرائق الغابات تتطلب استثمارات طويلة الأجل وإصلاحات هيكلية في إدارة الغابات والتخطيط للطوارئ، مشيرين إلى أن هذه التحديات لا تقتصر على الحكومات التي يقودها المحافظون، بل تواجه مختلف الإدارات الإقليمية في البلاد.
ومن جانبه، دعا حزب الشعب إلى التركيز على الأسباب الهيكلية التي تسهم في تفاقم الحرائق، وعلى رأسها تراجع النشاط الزراعي وهجرة السكان من المناطق الريفية، وهو ما أدى إلى زيادة المساحات غير المُدارة وارتفاع مخاطر انتشار النيران.
كما اتهم الحزب الحكومة المركزية برئاسة بيدرو سانشيز بعدم توفير التمويل الكافي لبرامج الوقاية من الحرائق، معتبراً أن المناطق الريفية لم تحصل على الدعم اللازم للاستعداد لمثل هذه الكوارث.
وتواصل فرق الإطفاء عملياتها للسيطرة على الحرائق، بينما تراقب الأوساط السياسية تداعيات الأزمة التي قد تتحول إلى أحد أبرز ملفات النقاش خلال المرحلة التي تسبق الانتخابات العامة المقبلة في إسبانيا.



