تقرير يكشف آليات تزوير منشأ سلع المستوطنات لتسويقها في أوروبا

أظهر تحليل دقيق لسلاسل التوريد أن سلعا زراعية صادرة من مستوطنات إسرائيلية تتسلل إلى الأسواق الأوروبية عبر عمليات تلاعب منهجية في بيانات المنشأ. وقد كشف مركز غلوبا إيكو للتقاضي، وهو منظمة أمريكية غير ربحية تأسست عام 2018 لملاحقة الشركات المتواطئة في انتهاكات حقوق الإنسان، عن ثغرات نظامية تسمح بتجاوز القيود المفروضة على التجارة مع المستوطنات. واستند التقرير الذي صدر في يونيو الماضي إلى فحص أكثر من ثلاثين ألف وثيقة تصدير لستة آلاف وثمانمائة شحنة زراعية بين أكتوبر 2017 وفبراير 2026.
وأوضح التحليل أن المنتجات الزراعية مثل التمور والحمضيات والفواكه والخضروات تشكل جزءا منتظما من الصادرات الإسرائيلية إلى القارة العجوز، حيث احتوت نسبة 19.2 بالمئة من الشحنات الموجهة لدول الاتحاد الأوروبي على بضائع من أصل مستعمراتي. ولم تقتصر الدراسة على تتبع المنتجات من المزارع إلى الموانئ فحسب، بل حللت دور شركات تصدير رئيسية مثل حديكليم ومهدارين ويوناتان في تسهيل هذه العملية عبر ما وصفه التقرير بسلسلة التعتيم.
وسجل التقرير ثلاث طرق رئيسية تستخدمها الشركات لإخفاء حقيقة المنشأ، أولها الإخفاء العلني حيث يدرج المصدر موقع المستوطنة والرمز البريدي لكن يعلن إسرائيل كبلد المنشأ، مما يعقد مهمة الجمارك الأوروبية في التحقق من الانتماء الجغرافي الدقيق. والثانية تعتمد على عناوين وهمية داخل إسرائيل تجعل السلع تبدو محلية، بينما الثالثة تتضمن خلط منتجات المستوطنات مع سلع مزروعة داخل الخط الأخضر قبل التعبئة، مما يصعب التمييز بينها قانونيا.
وقال محمود نواجعة، المنسق العام للجنة الوطنية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات، إن هذه الممارسات ليست بظاهرة جديدة بل هي عملية قديمة تهدف لتجاوز الإجراءات التي تميز بين المنتجات الإسرائيلية وتلك القادمة من المستوطنات. وأضاف أن الهدف الأساسي هو إعادة تغليف المنتجات ووضع بيانات كاذبة تدعي الإنتاج المحلي، معتبرا أن السلطات الأوروبية غضت الطرف عن ذلك لسنوات طويلة رغم وجود أنظمة رقابية مفترضة.
وأكد نواجعة أن المسؤولية عن استمرار تسلل هذه السلع لا تقع على عاتق المصدرين المتلاعبين وحدهم، بل تشمل بالضرورة الجهات الرقابية الأوروبية التي سمحت باستمرار هذا الوضع. ودعا الدول الأوروبية إلى التحقق الجاد من منشأ المنتجات عبر تتبعها من مكان الإنتاج وحتى نقاط التصدير، وعدم الاكتفاء بالنظر إلى الوثائق التجارية الظاهرة.
وفي سياق متصل، أعلنت اثنتا عشرة دولة غربية في بيان مشترك في الثامن من سبتمبر اعتزامها فرض قيود على تجارة السلع مع المستوطنات الإسرائيلية. وطالبت دول مثل فرنسا وألمانيا وكندا والمملكة المتحدة إسرائيل بوقف فوري للتوسع الاستيطاني وإرهاب المستوطنين، مشيرة إلى أن المجتمع الدولي يعتبر هذه المستوطنات غير قانونية منذ عام 1967.
وتشير التقارير الإعلامية إلى أن بعض الدول الأوروبية تتجه لفرض عقوبات بالسجن تصل إلى عشر سنوات على الأفراد والشركات التي تتعامل تجاريا مع المستوطنات. ورغم هذه الجهود، يرى خبراء أن غياب البيانات الشاملة عن حجم الصادرات الحقيقية يجعل الرقابة صعبة، مما يستدعي مراجعة اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل في حال ثبوت التلاعب المستمر.
وشكك التقرير في صلاحية شهادات الصحة النباتية والعضوية الصادرة لمنتجات المستوطنات، معتبرا أنها قد لا تلبي المتطلبات القانونية للاتحاد الأوروبي. كما طالب بمساءلة الشركات التي تطالب بالمعاملة التفضيلية بموجب اتفاقيات تجارية بينما تستخدم أصولا محظورة، مؤكدا أن ذلك يخالف القانون الدولي وقواعد التجارة العالمية.
وحذر المحللون من أن استمرار هذه الممارسات يقوض جهود الضغط الدولي على إسرائيل، ويدعو الناشطين إلى تعزيز حملات المقاطعة والضغط على الحكومات الأوروبية لاتخاذ إجراءات ملموسة ضد الشركات المتورطة في استغلال الأراضي المحتلة.
وأشارت المصادر إلى أن العديد من الشهادات التي تم فحصها بدت متعلقة بمنتجات مستوطنات بينما طالبت بالمزايا التجارية المتاحة للشركات الإسرائيلية الشرعية، مما يؤكد وجود ثغرات منهجية في النظام الجمركي الأوروبي الحالي.
وبحسب التقرير، فإن توزيع المسؤولية بين المصدرين والسلطات الأوروبية يخلق بيئة خصبة للاستمرار في هذه الممارسات دون مساءلة حقيقية، مما يتطلب تعاوناً دولياً أوسع لكشف السلاسل الخفية.
وتؤكد اللجنة الوطنية للمقاطعة أن إثبات التلاعب في أصل المنشأ يمثل انتهاكا صريحاً للقوانين المعمول بها في الاتحاد الأوروبي، وتدعو إلى تطبيق حظر عسكري وتجاري كامل على المنتجات المشبوهة.
ويبقى السؤال قائما حول مدى قدرة الآليات الحالية على مواجهة شبكات التزوير المعقدة، خاصة مع استمرار إسرائيل في رفض نشر بيانات دقيقة عن صادرات المستوطنات.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار أوروبا بالعربي اعتماداً على ما نشرته وكالات ومصادر إخبارية.


