
تُعدّ مشاركة الفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم بعد نكبة عام 1948 في انتخابات الكنيست الإسرائيلي شكلاً بارزاً من أشكال الحضور السياسي، حيث شكلت هذه الانتخابات محطّة أساسية لأصحاب الأرض المقيمين في المدن والقرى منذ تلك الحقبة. وقد مرّت هذه المسيرة بمراحل متقلبة من الشد والجذب، لتصل في الوقت الراهن إلى أعلى مستويات المشاركة في تاريخهم السياسي المتداخل مع النظام الإسرائيلي.
منذ أول انتخابات للكنيست عام 1949، دخل الفلسطينيون الساحة الانتخابية عبر مسارات متنوعة، بدءاً من الترشح ضمن أحزاب إسرائيلية أو تيارات شيوعية، وصولاً إلى تشكيل أطر سياسية خاصة بهم وظهور أحزاب مخصصة للدفاع عن حقوقهم في مواجهة السياسات العنصرية والتغول المستمر الذي تتبناه سلطات الاحتلال ضدهم.
خلال العقود الماضية، برزت خلافات عميقة بين شريحة فلسطينيي الداخل بشأن طبيعة التعامل مع العملية الانتخابية. فبينما يرى البعض أن المشاركة ضرورة حتمية لترسيخ الحقوق اليومية وعدم ترك الساحة وحدها لجمهور اليمين الإسرائيلي، يرفض آخرون هذه الخطوة معتبرين أنها تمنح الاحتلال غطاءً ديمقراطياً زائفاً بينما يستمر في سياساته الطردية والتصفوية للفلسطينيين.
حتى الثمانينيات من القرن الماضي، لم تظهر أحزاب عربية مستقلة بشكل فعلي، واكتفت التمثيلية بدعم مرشحين من قوائم مختلطة أو أحزاب إسرائيلية، كانت غالباً ما تذوب سريعاً دون ترك أثر سياسي كبير. وفي خمسينيات وستينيات القرن العشرين، حاولت مجموعات بناء أجسام سياسية تمثل الفلسطينيين، لكنها اصطدمت بعقبات داخلية وسياسات قمعية مشددة من قبل السلطات الإسرائيلية.
ظهرت الجبهة العربية الشعبية عام 1958 كتحالف بين القوميين الناصريين والشيوعيين، وطالبت بإنهاء الحكم العسكري وعودة اللاجئين ومكافحة العنصرية، إلا أن نشاطها واجه حظراً وقمعاً شديداً وتفككاً داخلياً. تلا ذلك محاولة تأسيس حركة أبناء الأرض التي حُظرت من خوض الانتخابات عام 1965 بقرار من المحكمة العليا الإسرائيلية تحت ذريعة القائمة الاشتراكية.
في السبعينيات، برز التيار الإسلامي الذي اتخذ موقفاً رافضاً للمشاركة في البداية، ثم انقسم لاحقاً إلى جناحين متعارضين: الشمالي بقيادة الشيخ رائد صلاح الذي استمر في مقاطعة الانتخابات، والجنوبي بقيادة إبراهيم صرصور الذي شارك عبر تحالفات محلية. كما ظهرت حركة أبناء البلد عام 1972 التي دعت للمقاطعة باعتبار الانتخابات لا تخدم الطموحات الوطنية.
كان الحزب الديمقراطي العربي الذي أسسه عبد الوهاب دراوشة أول حزب عربي يشارك في انتخابات الكنيست عام 1988، مما فتح الباب أمام نشوء أحزاب أخرى. وفي عام 1996، تأسس التجمع الوطني الديمقراطي والجبهة العربية للتغير، بمشاركة الجناح الجنوبي للحركة الإسلامية عبر القائمة العربية الموحدة.
في انتخابات عام 2015، حققت القائمة المشتركة نجاحاً كبيراً بحصولها على 13 مقعداً بعد جمع أكثر من 443 ألف صوت. وفي عام 2020، سجلت القائمة رقمًا قياسيًا بحصولها على 15 مقعداً و581 ألف صوت، وهي الأكبر تمثيلاً منذ ثمانينيات القرن الماضي.
عاد الانقسام عام 2022 عندما خاضت قائمتان الانتخابات، مما أدى إلى تراجع الحصيلة إلى 10 مقاعد فقط نتيجة تشتت الأصوات. أما في الانتخابات الأخيرة، فقد سجلت المشاركة الأكبر منذ النكبة، حيث حصلت القائمة المشتركة على 12 مقعداً والقائمة العربية الموحدة على 7 مقاعد، ليصل المجموع إلى 19 مقعداً.
وسجلت نسبة التصويت ارتفاعاً تاريخياً بلغ 80 بالمئة، بواقع 759 ألفاً و329 صوتاً توزعت بين القائمتين، مما يعكس ديناميكية سياسية متغيرة ومستمرة في تعامل الفلسطينيين مع المؤسسات الإسرائيلية.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار أوروبا بالعربي اعتماداً على ما نشرته وكالات ومصادر إخبارية.

