رئيسيشؤون دولية

تقرير برلماني بريطاني يحذر من هشاشة أمن المعادن الاستراتيجية واعتماد البلاد الخطير على بكين

أصدرت لجنة الأعمال والتجارة في مجلس العموم البريطاني تقريراً جديداً يسلط الضوء على مدى هشاشة أمن المعادن الحرجة في المملكة المتحدة، مشدداً على أن الاعتماد المفرط على الصين في هذا القطاع يشكل خطراً داهماً على الأمن القومي والاقتصاد الوطني. وأشارت اللجنة إلى أن هيمنة بكين على مراحل معالجة وتكرير المواد الخام الحيوية لا تهدد فقط القدرة العسكرية البريطانية، بل تعيق أيضاً تحقيق أهداف التحول نحو الطاقة النظيفة والحياد الكربوني.

وأكد رئيس اللجنة ليام بيرن أن المعادن الحرجة تُعدّ العمود الفقري لاقتصاد المستقبل، موضحاً أن بريطانيا لن تتمكن من إعادة بناء قدراتها الدفاعية أو تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي دون ضمان وصول مستقر وموثوق لهذه الموارد. ولفت إلى أن البلاد تعيش منذ 16 عاماً تحت وطأة استخدام الصين للمعادن الأرضية النادرة كأداة ضغط جيوسياسي، مما يجعل إمداداتها عرضة للانقطاع بشكل مفاجئ.

وكشف التقرير عن تركيز المشكلة الأساسي ليس في استخراج المعادن فحسب، بل في السيطرة الصينية المطلقة على عمليات التكرير والمعالجة. وبيّنت البيانات أن بكين تهيمن على تكرير سبع فئات من المعادن الحيوية، بما فيها الليثيوم المستخدم في بطاريات السيارات الكهربائية، والعناصر الأساسية لصناعة المغناطيسات الدائمة التي تدخل في المحركات النفاثة والهياكل العسكرية المتقدمة.

وتوقع التقرير قفزة هائلة في الطلب العالمي على هذه المواد خلال السنوات القادمة، حيث يُرجح أن يرتفع الطلب على الليثيوم بنحو 45 ضعفاً بحلول عام 2030، بينما يتضاعف الطلب على المعادن الأرضية النادرة بنحو 16 ضعفاً خلال الفترة نفسها. وتشير هذه الأرقام إلى أن تأمين الإمدادات أصبح مسألة تتعلق بالبقاء الاستراتيجي وليس مجرد اعتبارات تجارية بحتة.

وحذّر أعضاء اللجنة من أن الهدنة المؤقتة الحالية في القيود الصينية على الصادرات لا توفر أي ضمانات طويلة الأجل، بل تجعل بريطانيا رهينة للتقلبات في العلاقات بين واشنطن وبكين. وأشاروا إلى أن التفاهمات التي تم التوصل إليها مؤخراً بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، والتي تم تمديدها حتى يناير 2027، تضع الإمدادات البريطانية تحت رحمة المصالح الأمريكية الصينية بدلاً من بناء قدرة مستقلة.

واعتبرت اللجنة أن تداعيات هذه الهيمنة تمتد لتشمل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودولاً أخرى، مرجحة احتمال تعرض الصناعات الحيوية لاضطرابات حادة إذا قررت بكين تشديد قيودها. وذكرت اللجنة أزمة أشباه الموصلات المرتبطة بشركة «نيكسبيريا» كمثال على هشاشة سلاسل التوريد الأوروبية، وكيف أدت الخلافات السياسية إلى قرب توقف خطوط الإنتاج في أكتوبر 2025.

وفي مواجهة هذه المخاطر، دعت اللجنة الحكومة إلى تبني سياسة مركزية وعاجلة لتنويع مصادر الإمداد عبر التعاون مع دول مجموعة السبع، والاتحاد الأوروبي، وشركاء المحيطين الهندي والهادئ. وطالبت بإنشاء مرفق تمويل متخصص يدعم مشروعات الاستخراج وإعادة التدوير من خلال المنح والقروض والاستثمارات المباشرة.

وقدمت اللجنة خطة عمل من عشرة محاور تهدف إلى معالجة الخلل الهيكلي، تشمل تحديد فرص الاستثمار المحلية، وتقدير تكاليف المشروعات، ووضع استراتيجيات لتشجيع الشركات على تقليل مشترياتها من الصين. كما طالبت بمراجعة الإجراءات التنظيمية والتراخيص لإزالة العقبات أمام تطوير قطاع محلي قادر على تلبية جزء كبير من الاحتياجات.

وناقش التقرير أيضاً ضعف الشفافية الحكومية، مشيراً إلى أن البرلمان لا يملك صورة واضحة عن القدرات التي تسعى الحكومة لحماية مواطن الضعف فيها أو المشروعات المدعومة للحد من المخاطر الخارجية. وأكدت اللجنة أنها لا تستطيع التأكد من قدرة الحكومة على استيفاء الاختبارات العشرة التي وضعتها لمعالجة الأزمة في ظل غياب هذه المعلومات الأساسية.

من جانبها، رفضت الحكومة الاتهامات بغياب استراتيجية واضحة، مؤكدة أنها تنفذ استثمارات بقيمة 400 مليون جنيه إسترليني لتعزيز الإنتاج المحلي وإعادة التدوير وبناء شراكات دولية جديدة. وأوضحت أن الاستراتيجية تتضمن أهدافاً محددة بحلول عام 2035، تشمل تلبية 10 بالمئة من الطلب من الإنتاج المحلي، و20 بالمئة من إعادة التدوير، مع ضمان ألا تتجاوز حصة أي دولة منفردة 60 بالمئة من إمدادات أي معدن حرج.

وتكشف هذه التطورات عن اتساع التحدي الذي تواجهه لندن في ظل التنافس الدولي على الموارد الاستراتيجية، إذ تحولت المعادن الحرجة من مدخلات صناعية عادية إلى عنصر أساسي في معادلات القوة العسكرية والتفوق التكنولوجي. ورغم السعي لتقليص الاعتماد على الصين، يبقى الاختبار الحقيقي في قدرة بريطانيا على تحويل التعهدات والاستثمارات إلى مصادر إمداد بديلة ومستدامة.

أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار أوروبا بالعربي اعتماداً على ما نشرته وكالات ومصادر إخبارية.

مكتب الشؤون الأوروبية

يغطّي الشأن الأوروبي وشؤون الجاليات العربية في أوروبا والملفّات الدولية. اسم مكتب تحريري لا اسم شخص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى