البنك المركزي الألماني في مواجهة أزمة تجديد مقره: تكاليف متصاعدة وشكوك حول الكفاءة

يواجه البنك المركزي الألماني (Bundesbank) أزمة متفاقمة تتعلق بتجديد مقره الرئيسي الشهير في مدينة فرانكفورت، وسط تضخم غير مسبوق في التكاليف، وانتقادات حادة من مكتب التدقيق الفيدرالي، ومخاوف من أن ينعكس سوء إدارة هذا الملف العقاري على سمعة المؤسسة واستقلالها النقدي.
وعندما أعلن البنك خطته الطموحة لتجديد مقره قبل ثماني سنوات، كانت التقديرات الأولية تشير إلى تكلفة تبلغ نحو 3.59 مليار يورو. لكن مع مرور الوقت وتداعيات جائحة كورونا، ارتفعت التكاليف إلى 4.6 مليار يورو بحلول عام 2022، أي بزيادة مليار يورو عن المخطط الأصلي.
هذا التجاوز يضع المشروع في موقف أكثر تعقيدًا من مشروع تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الذي ارتفعت تكلفته من 1.9 إلى 2.5 مليار دولار، وأثار أزمة سياسية بين الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ورئيس الفيدرالي جيروم باول.
تغييرات في الخطط بسبب العمل عن بُعد
في مواجهة هذه الانتقادات، اضطر الرئيس الحالي للبنك، يواكيم ناجل، إلى تعديل الخطط التي وضعها سلفه ينس فايدمان. ففي ظل انتشار ثقافة العمل عن بُعد بعد الجائحة، قرر ناجل تقليص عدد المكاتب المخطط لها من 5000 إلى 2500 فقط.
كما ألغى أربعة مبانٍ مكتبية كانت ضمن المشروع، واعتبر أن هذا التحول يمثل استجابة واقعية لاحتياجات البنك الفعلية. وأكد في بيان أن أحدث تقرير من مكتب التدقيق الفيدرالي “برهن أن القرار كان صائبًا”.
انتقادات للإسراف وضعف الإدارة
مع ذلك، لم تُخفِ هيئة الرقابة انتقاداتها الحادة، إذ رأت أن البنك تأخر كثيرًا في إدخال الإصلاحات الضرورية، ولم يتحرك إلا بعد الضغط المباشر. كما اتُهم بالإسراف في بناء مرافق إضافية لا ترتبط مباشرة بمهامه الأساسية، مثل الصالات الرياضية والمطاعم الكبيرة وشقق الضيوف.
وأثار الجدل أيضًا مشروع النفق تحت الأرض الذي رُبط بمباني البنك، وشُبه بممر الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن الذي لطالما اعتُبر رمزًا للهدر.
إضافة إلى ذلك، اكتسب المبنى الرئيسي للبنك – وهو مبنى ضخم من الخرسانة والزجاج يعود إلى سبعينيات القرن الماضي – وضعًا خاصًا للحفظ التاريخي في عام 2022، ما جعل أي تعديل أو تحديث أكثر صعوبة وكلفة.
مقارنة أوروبية: إخفاقات ونجاحات
لا يختلف وضع البوندسبنك كثيرًا عن مؤسسات أوروبية أخرى واجهت أزمات مشابهة. فالبنك المركزي الأوروبي أنفق نحو 1.4 مليار يورو على مقره الجديد في 2014، رغم أن الميزانية الأصلية لم تتجاوز 850 مليونًا. أما البنك المركزي الهولندي فقد التزم بميزانيته البالغة 320 مليون يورو، في حين كلّف المقر الجديد للبنك المركزي الأيرلندي 323 مليون يورو فقط بفضل شراء العقار بسعر منخفض عقب الأزمة المالية في 2009.
هذه التجارب توضح أن إدارة المشاريع الضخمة في المؤسسات المالية الأوروبية لم تكن دائمًا مثالية، وأن تجاوز الميزانيات أمر متكرر، ما يعرضها لانتقادات شعبية وسياسية.
ورغم أن مشاريع البناء والهندسة بعيدة عن صميم السياسة النقدية، فإن سوء إدارتها يثير شكوكًا حول كفاءة المؤسسات نفسها. فقد استخدم ترامب مثلًا تجاوزات الفيدرالي العقارية كذريعة لمهاجمة جيروم باول والضغط عليه لخفض أسعار الفائدة.
في ألمانيا، ورغم أن الأجواء السياسية أقل عدائية، فإن ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة تتراجع، وهناك مخاوف من أن يتحول ملف البناء إلى ورقة ضغط على استقلال البنك المركزي، خاصة بعد سلسلة خسائر مالية تكبدها نتيجة سياسات الفائدة الصفرية وبرامج شراء السندات التي تبناها البنك المركزي الأوروبي.
خطوات تصحيحية لكن الطريق طويل
منذ توليه المنصب في 2022، تولى ناجل المسؤولية المباشرة عن ملف التجديد، وأمر بإجراء دراسة جدوى شاملة للمشروع تتماشى مع توصيات مكتب التدقيق. ومع ذلك، فإن العملية لا تزال في بدايتها، ومن المتوقع أن يستمر البناء لعشر سنوات أخرى، ما يعني أن المخاطر المالية والسياسية ستبقى قائمة.
الخبير الاقتصادي أوتمار إيسينج، كبير الاقتصاديين السابق في البوندسبنك والبنك المركزي الأوروبي، حذّر مؤخرًا من أن استقلالية البنوك المركزية “استثناء تاريخي” قد يتراجع في ظل الضغوط السياسية والاقتصادية المتزايدة.
ويجد البنك المركزي الألماني نفسه عالقًا بين التضخم في التكاليف، وتحديات الحفاظ على مصداقيته، وضغوط الرأي العام. ورغم محاولات رئيسه ناجل لتقليص النفقات وتحديث المشروع بما يتماشى مع متطلبات العمل المعاصر، فإن العبرة تبقى في التنفيذ والقدرة على السيطرة على الإنفاق خلال العقد المقبل.
فإذا نجح البنك في استكمال المشروع بكفاءة، قد يستعيد جزءًا من ثقة الجمهور. أما إذا استمرت التجاوزات، فقد يتحول مشروع البناء إلى رمز للإخفاق يهدد ليس فقط صورته العقارية، بل هيبته كحارس الاستقرار النقدي في أكبر اقتصاد أوروبي.



