رئيسيشئون أوروبية

بروكسل تستعد لمعركة سياسية حول تقليص الدعم للمزارع الكبيرة في أوروبا

مع اقتراب الخريف، يلوح في الأفق صراع جديد داخل أروقة الاتحاد الأوروبي، يتمحور حول مقترحات المفوضية الأوروبية لتقليص حجم الإعانات الزراعية التي تتلقاها المزارع الكبرى. ورغم أن معظم المزارعين الأوروبيين لن يتأثروا بشكل مباشر بهذه الخطوة، إلا أن كبار ملاك الأراضي والمزارع الصناعية الضخمة سيكونون الخاسر الأكبر، وهو ما يفتح الباب أمام مواجهة سياسية واقتصادية واسعة بين المفوضية والدول الأعضاء.

ولطالما مثلت السياسة الزراعية المشتركة (CAP) واحدة من أضخم بنود ميزانية الاتحاد الأوروبي، حيث يحصل المزارعون على دعم مباشر يعتمد أساسًا على مساحة الأرض التي يزرعونها. غير أن هذا النموذج خلق حالة من عدم المساواة؛ إذ تتلقى 20% من المزارع 80% من المدفوعات، ما يعني أن كبار الملاك هم المستفيدون الرئيسيون، بينما يحصل صغار المزارعين على الحد الأدنى.

المفوضية الأوروبية، بقيادة مفوض الزراعة كريستوف هانسن، طرحت خطة جديدة تهدف إلى فرض “حد أقصى” للمدفوعات، بحيث لا يتجاوز ما يحصل عليه أي مزارع فردي 100 ألف يورو سنويًا. كما اقترحت خفض الدعم تدريجيًا بدءًا من 20 ألف يورو وصولًا إلى 70 ألف يورو، قبل تطبيق الحد الأقصى. ووفقًا للمقترح، سيحصل المزارعون على ما بين 130 و240 يورو للهكتار الواحد، لكن دون تجاوز السقف المحدد.

التفاوت بين الدول
تكشف البيانات أن أثر هذه التغييرات سيختلف بشكل كبير من بلد إلى آخر. ففي عام 2023، ذهبت أكثر من نصف المدفوعات المنفصلة للمزارعين الذين حصلوا على أكثر من 20 ألف يورو. وفي دول مثل سلوفاكيا والتشيك، قد تتأثر أكثر من 85% من الأموال المدفوعة، نظرًا لسيطرة المزارع الكبرى على أكثر من 90% من الأراضي الزراعية المستغلة.

أما في اليونان، فالوضع مختلف تمامًا، إذ حصل 90% من المزارعين على أقل من 20 ألف يورو من الدعم، ما يعني أن الغالبية الساحقة لن تتأثر بالقواعد الجديدة. وفي فرنسا ولوكسمبورغ، تشير التقديرات إلى أن نحو 40% من المستفيدين قد يتأثرون سلبًا، وهو ما يفسر حدة النقاشات السياسية المتوقعة في هذين البلدين.

المواقف المتباينة
ترى المفوضية الأوروبية أن هذا الإجراء ضروري لضمان عدالة أكبر، وتمكين صغار المزارعين والشباب من الحصول على دعم أكبر. وقال المفوض هانسن أمام البرلمان الأوروبي: “إذا كنا نريد دعم المزارعين الجدد وصغار المنتجين، فعلينا أن نعيد توزيع الأموال. لا يمكن أن تستمر الفجوة على هذا النحو.”

لكن المنظمات الزراعية الكبرى أبدت اعتراضًا شديدًا، واعتبرت أن المقترح سيضر بالمزارعين الذين يشكلون العمود الفقري للإنتاج الأوروبي. مؤسسة فارم يوروب البحثية حذرت من أن الخطوة ليست سوى وسيلة لتقليص التكاليف، دون معالجة جوهرية لمشكلات القطاع.

في المقابل، رحبت منظمات بيئية، مثل المكتب الأوروبي للبيئة، بالاقتراح، معتبرة أنه خطوة أولى نحو “إعادة توزيع حقيقية”، قد تمهد في المستقبل للتخلي التدريجي عن الدعم القائم على المساحة، وربطه بدلًا من ذلك بالنتائج البيئية والإنتاج المستدام.

معركة الخريف المقبلة
من المتوقع أن يبدأ النقاش الجاد حول المقترح خلال الخريف، عندما تجتمع المفوضية مع مجلس الاتحاد الأوروبي، الممثل للدول الأعضاء الـ27، إلى جانب البرلمان الأوروبي. وكما جرت العادة في محاولات سابقة لتقليص الإعانات، من المرجح أن تواجه الخطة مقاومة قوية من بعض العواصم الأوروبية، خاصة تلك التي يعتمد اقتصادها الزراعي بشكل كبير على المزارع الكبرى.

والمعركة لا تتعلق فقط بالأموال، بل بالهوية المستقبلية للقطاع الزراعي في الاتحاد الأوروبي: هل يبقى مجالًا يهيمن عليه كبار المنتجين، أم يُعاد تنظيمه ليعطي فرصًا أكبر لصغار المزارعين والجيل الجديد؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى