
شهدت لندن واحدة من أكبر حملات الاعتقال المرتبطة بالاحتجاجات السياسية خلال العام، بعدما أوقفت الشرطة أكثر من 500 شخص شاركوا في مظاهرة حاشدة تحدت قرار الحكومة بحظر حركة “فلسطين أكشن”، في تطور يعكس تصاعد التوتر بين السلطات والنشطاء المدافعين عن القضية الفلسطينية.
وأفادت التقارير بأن ما لا يقل عن 523 شخصاً تم اعتقالهم في وسط لندن، حيث تجمع مئات المحتجين في ميدان ترافالغار في أول تحرك جماهيري واسع منذ صدور حكم قضائي اعتبر حظر الحركة غير قانوني.
ورفع المتظاهرون لافتات كُتب عليها عبارات دعم لفلسطين ورفض لما وصفوه بالإبادة الجماعية، في حين نصب بعضهم كراسي تخييم في الساحة في مشهد احتجاجي سلمي، قابله انتشار أمني مكثف منذ ساعات الصباح الأولى.
وأظهرت مشاهد من الموقع قيام الشرطة باقتياد متظاهرين، بينهم كبار في السن وذوو احتياجات خاصة، فيما بدت إحدى النساء فاقدة للوعي أثناء عملية اعتقالها، ما أثار انتقادات واسعة حول طريقة التعامل الأمني.
ويأتي هذا التصعيد بعد عام من تطبيق حظر حركة “فلسطين أكشن”، والذي أدى إلى اعتقال أكثر من 1600 شخص بموجب قوانين مكافحة الإرهاب، فقط لحملهم لافتات مماثلة.
ورغم صدور حكم من المحكمة العليا في فبراير يقضي بعدم قانونية الحظر، فإن السلطات مضت في تطبيقه، حيث منحت الحكومة الضوء الأخضر للاستئناف، في وقت أعلنت فيه الشرطة مراجعة سياستها بشأن التعامل مع المحتجين.
في البداية، كانت شرطة العاصمة لندن قد أشارت إلى نيتها تجنب الاعتقالات والتركيز على جمع الأدلة، إلا أنها عادت وغيرت موقفها، ووصفت ذلك بأنه “موقف مؤقت”، لتستأنف لاحقاً حملات التوقيف.
وأثار هذا التراجع انتقادات قانونية وحقوقية، حيث اعتبرت منظمات مدافعة عن الحريات أن الاعتقالات قد تكون غير قانونية، لأنها تتعارض مع حقوق التعبير والتجمع السلمي المنصوص عليها في القوانين البريطانية والأوروبية.
وأكدت مجموعة “دافع عن هيئات المحلفين” أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الإنسان، محذرة من تداعيات قانونية محتملة على السلطات.
كما اتهمت منظمات حقوقية الحكومة باستخدام قوانين مكافحة الإرهاب لقمع الاحتجاجات السياسية، معتبرة أن توسيع نطاق هذه القوانين ليشمل التعبير السلمي يشكل سابقة خطيرة.
في الميدان، عبر عدد من المشاركين عن غضبهم من التضييق المتزايد، حيث أكد متظاهرون أن مجرد حمل لافتة أصبح كافياً للتعرض للاعتقال، في مؤشر على تراجع مساحة الحريات العامة.
وقالت إحدى المشاركات إن الحكومة “لن تستجيب إلا تحت الضغط”، بينما وصف آخرون الوضع بأنه “مهزلة” تعكس انفصال السلطات عن الرأي العام.
كما شارك في الاحتجاج سجناء سابقون من الحركة، من بينهم ناشطون خاضوا إضرابات عن الطعام داخل السجون، احتجاجاً على ظروف احتجازهم والحظر المفروض عليهم.
في المقابل، دافعت الحكومة عن موقفها، معتبرة أن الاحتجاجات تجاوزت حدود التعبير المشروع، وأن الإجراءات تهدف إلى الحفاظ على النظام العام ومنع أنشطة تعتبرها غير قانونية.
غير أن مراقبين يرون أن المشهد يعكس أزمة أعمق تتعلق بتوازن السلطة بين الأمن والحريات، خاصة في ظل تزايد استخدام التشريعات الاستثنائية في التعامل مع القضايا السياسية.
وتشير الأرقام الرسمية إلى أن الاعتقالات المرتبطة بقضايا “الإرهاب” شهدت ارتفاعاً بنسبة 660% خلال عام واحد، ما يعزز المخاوف من توسع غير مسبوق في استخدام هذه القوانين.
ويرى محللون أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى تصعيد أكبر في الشارع، خاصة مع تزايد التعاطف الشعبي مع القضية الفلسطينية، واتساع دائرة الرافضين لسياسات الحظر.
كما يحذرون من أن تجاهل الأحكام القضائية أو الالتفاف عليها قد يقوض الثقة في المؤسسات، ويطرح تساؤلات جدية حول التزام الحكومة بسيادة القانون.
في ظل هذه التطورات، تبدو لندن أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة التوازن بين الأمن وحرية التعبير، في وقت تتحول فيه الاحتجاجات إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الدولة والمجتمع المدني.
ومع استمرار الجدل، يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى شرعية هذه الاعتقالات، وما إذا كانت ستؤدي إلى ردع المحتجين، أم إلى موجة جديدة من التصعيد في الشارع البريطاني.



