
تستعد المفوضية الأوروبية لاتخاذ إجراءات جديدة لحماية قطاع الصناعات الكيميائية في القارة، بعد تصاعد التحذيرات من أن تدفق المنتجات الصينية منخفضة التكلفة يهدد بإغلاق المزيد من المصانع وخسارة آلاف الوظائف.
وتبحث بروكسل فرض قيود تجارية وآليات حماية جديدة لمواجهة فائض الإنتاج الصيني، في وقت تقول الشركات الأوروبية إن المنافسة غير المتكافئة مع بكين تدفع واحدة من أهم الصناعات الاستراتيجية في أوروبا نحو أزمة وجودية.
ومن المقرر أن يناقش قادة الاتحاد الأوروبي خلال قمتهم المقبلة ملف زيادة الصادرات الصينية وتأثيرها على الصناعة الأوروبية، وسط مطالب باتخاذ قرارات أسرع قبل فقدان المزيد من القدرات الإنتاجية داخل القارة.
وحذر مسؤولون في قطاع الكيماويات من أن التحرك الأوروبي قد يأتي متأخراً، نظراً لأن تطبيق الإجراءات التجارية الجديدة قد يحتاج أشهراً أو سنوات، بينما تواجه الشركات ضغوطاً فورية بسبب ارتفاع التكاليف وتراجع قدرتها على المنافسة.
وقال رودي ميلر، نائب رئيس شركة “فينوفا” البلجيكية للمواد الكيميائية، إن القطاع يتعرض لنزيف مستمر، واصفاً ما يحدث بأنه “انتحار صناعي”.
وكانت شركة “فينوفا” تعد ثاني أكبر منتج أوروبي لمادة البولي فينيل كلوريد (PVC)، المستخدمة في قطاعات واسعة تشمل السباكة والأرضيات وعزل الأسلاك والمعدات الطبية، لكنها تؤكد أنها لم تعد قادرة على منافسة الإنتاج الصيني منخفض التكلفة.
واضطرت الشركة إلى وقف الإنتاج في أحد مصانعها في هولندا، بينما دخلت ثلاثة مواقع أخرى في إجراءات إعادة هيكلة قانونية، بالتزامن مع تقديم شكوى ضد ما تعتبره ممارسات إغراق صينية.
وتشير تقديرات قطاع الصناعات الكيميائية الأوروبي إلى فقدان نحو 10% من الطاقة الإنتاجية للقارة خلال السنوات الثلاث الماضية، إلى جانب خسارة نحو 20 ألف وظيفة.
وفي المقابل، يتزايد اعتماد أوروبا على الواردات الخارجية، إذ ارتفعت نسبة المواد الكيميائية القادمة من خارج الاتحاد الأوروبي من 22% عام 2013 إلى 31% عام 2023.
وتعد الصين أكبر المستفيدين من هذا التحول، بعدما ضاعفت حصتها من واردات المواد الكيميائية إلى أوروبا خلال العقد الماضي.
وتدرس المفوضية الأوروبية عدة خيارات لدعم الشركات المحلية، بينها فرض حصص على الواردات، وتشديد القيود التجارية، وفرض رسوم جمركية أكثر استهدافاً ضد المنتجات الصينية التي تعتبرها بروكسل نتيجة لدعم حكومي أو إنتاج زائد.
وتكتسب الأزمة أهمية خاصة لأن الصناعات الكيميائية تدخل في سلاسل إنتاج حيوية تشمل الصناعات الدفاعية والبطاريات والسيارات والتكنولوجيا والمنتجات الطبية.
ويخشى مسؤولون أوروبيون أن يؤدي فقدان القدرة الإنتاجية المحلية إلى جعل الاتحاد الأوروبي أكثر اعتماداً على الصين في مواد أساسية، ما قد يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية خلال الأزمات.
ويقول خبراء اقتصاديون إن جذور الأزمة تعود إلى التوسع الصناعي الهائل في الصين خلال السنوات الماضية، حيث تضاعف إنتاجها من البتروكيماويات تقريباً بين عامي 2010 و2024، بينما تراجعت الطاقة الإنتاجية الأوروبية بنحو 14%.
وجاء هذا التحول في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج داخل أوروبا، خصوصاً أسعار الطاقة، إذ تستهلك مصانع الكيماويات كميات ضخمة من الكهرباء، بينما تدفع الشركات الأوروبية أسعاراً أعلى بكثير مقارنة بمنافسيها في الصين والولايات المتحدة.
وتواجه الشركات الأوروبية أيضاً تكاليف إضافية مرتبطة بسياسات خفض الانبعاثات الكربونية، في وقت تقول فيه الصناعة إن المنافسين الصينيين لا يتحملون الأعباء نفسها.
وترى شركات أوروبية أن الصين بنت قدرات إنتاجية ضخمة لتلبية الطلب الداخلي خلال طفرة العقارات، لكن بعد أزمة القطاع العقاري الصيني استمرت المصانع في الإنتاج بكميات تفوق حاجة السوق المحلية، ما أدى إلى توجيه الفائض نحو الأسواق العالمية.
ولا تقتصر المخاوف الأوروبية على مادة PVC فقط، بل تمتد إلى قطاعات البتروكيماويات والمواد الأساسية التي شهدت النسبة الأكبر من عمليات الإغلاق داخل القارة.
وتعتمد بروكسل حالياً على تحقيقات مكافحة الإغراق والدعم الحكومي، إلا أن منتقدين يعتبرون هذه الأدوات بطيئة وغير كافية للتعامل مع حجم المنافسة الصينية.
ويرى خبراء أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى رد صناعي وتجاري أكثر شمولاً، مشابه للإجراءات التي اتخذها سابقاً لحماية قطاع الصلب عندما واجه تدفق المنتجات منخفضة السعر.
لكن تطبيق النموذج نفسه على الكيماويات سيكون أكثر تعقيداً بسبب تنوع القطاع الذي يضم آلاف المنتجات المختلفة وسلاسل توريد مترابطة.
وبينما تدرس أوروبا خياراتها، تؤكد الشركات المتضررة أن الوقت ينفد، محذرة من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى فقدان قاعدة صناعية يصعب استعادتها مستقبلاً.



