رئيسيشئون أوروبية

انقسام اليمين البولندي يربك المشهد السياسي قبل الانتخابات

يواجه رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك تحدياً سياسياً متزايداً رغم الانقسام الذي ضرب معسكر اليمين، في ظل مؤشرات تفيد بأن تشظي المعارضة قد لا يكون كافياً لضمان بقاء الائتلاف الحاكم في السلطة خلال الانتخابات البرلمانية المقبلة.

ويتصدر ائتلاف توسك المدني استطلاعات الرأي بنسبة تقارب 32%، متقدماً على حزب القانون والعدالة الذي يحصد نحو 21%، إلا أن المشهد الانتخابي يبدو أكثر تعقيداً مما تعكسه الأرقام، إذ لا تزال الأحزاب اليمينية مجتمعة تمتلك فرصة لتشكيل أغلبية برلمانية إذا نجحت في التوافق على ائتلاف بعد الانتخابات.

وتزداد المخاوف داخل معسكر الحكومة مع احتمال فشل عدد من الأحزاب الصغيرة المشاركة في الائتلاف الحاكم في تجاوز العتبة الانتخابية البالغة 5%، وهو ما قد يحرم توسك من عدد مهم من المقاعد البرلمانية.

وجاءت أبرز التطورات السياسية بعد الانشقاق الرسمي داخل حزب القانون والعدالة، أكبر أحزاب المعارضة، إثر مغادرة رئيس الوزراء السابق ماتيوس مورافيتسكي الحزب وتأسيسه حزباً جديداً يحمل اسم “التنمية بلس”، مصطحباً معه نحو أربعين نائباً، الأمر الذي قلص حجم الكتلة البرلمانية للحزب بصورة ملحوظة.

وأدى الانشقاق إلى تصاعد الخلافات العلنية بين مورافيتسكي ومؤسس الحزب ياروسلاف كاتشينسكي، بعدما وجه رئيس الوزراء السابق انتقادات حادة لسياسات حكومته السابقة، خصوصاً ما يتعلق بإدارة أزمة كورونا وتشديد قوانين الإجهاض، معتبراً أن تلك القرارات ساهمت في تراجع شعبية الحزب خلال السنوات الأخيرة.

وأكد مورافيتسكي أن بولندا تحتاج إلى تيار يميني أكثر اعتدالاً يركز على التنمية الاقتصادية بعيداً عن الصراعات الأيديولوجية، مع استبعاده في الوقت نفسه أي تعاون سياسي مستقبلي مع دونالد توسك.

ورد كاتشينسكي بقوة على تصريحات حليفه السابق، متهماً إياه بتحويل هجماته نحو قيادة الحزب بدلاً من مواجهة الحكومة، ومشككاً في دوافعه السياسية، في مؤشر على اتساع الهوة داخل أكبر قوة معارضة في البلاد.

ورغم ترحيب الحكومة بالانقسام، يرى مراقبون أن المشهد الانتخابي لا يصب بالضرورة في مصلحة توسك، إذ قد يسمح وجود أكثر من حزب يميني باستقطاب شرائح أوسع من الناخبين المحافظين، بما يعزز فرص اليمين في الاحتفاظ بأغلبيته الشعبية.

ويزداد تعقيد المشهد مع استمرار صعود أحزاب يمينية جديدة، أبرزها حزب الكونفدرالية الليبرالي القومي، إضافة إلى حزب “التاج البولندي” اليميني المتطرف، اللذين يواصلان استقطاب جزء من القاعدة المحافظة على حساب حزب القانون والعدالة.

وتؤكد قيادات هذه الأحزاب أنها لا ترى ضرورة لأن يقود حزب القانون والعدالة أي حكومة مقبلة، معتبرة أن هيمنة كاتشينسكي على معسكر اليمين لم تعد كما كانت في السابق.

ويرى محللون أن انقسام اليمين قد يمنح الأحزاب المحافظة قدرة أكبر على الوصول إلى شرائح انتخابية متنوعة، بدلاً من التنافس تحت مظلة حزب واحد، وهو ما قد ينعكس إيجابياً على نتائجها النهائية في الانتخابات.

وفي المقابل، يواجه توسك تحدياً آخر يتمثل في تراجع زخم حكومته، بعد مرور سنوات على تشكيلها، وسط انتقادات تتعلق ببطء تنفيذ الإصلاحات، إلى جانب استمرار الخلافات مع الرئيس البولندي المتحالف مع حزب القانون والعدالة، والذي استخدم صلاحياته لتعطيل عدد من مشاريع القوانين الحكومية.

ويؤكد خبراء السياسة أن استمرار الحكومة في الاعتماد على خطاب المواجهة التقليدي مع حزب القانون والعدالة لم يعد كافياً لحشد الناخبين، خاصة مع تغير خريطة اليمين وظهور قوى جديدة تسعى إلى إعادة رسم التوازنات السياسية في البلاد.

وتشير التقديرات إلى أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد شكل المنافسة، إذ يسعى توسك إلى إعادة تنشيط خطابه السياسي واستعادة ثقة الناخبين، بينما تعمل الأحزاب اليمينية على استثمار الانقسام الداخلي لتوسيع نفوذها، في سباق انتخابي قد يعيد رسم المشهد السياسي في بولندا خلال السنوات المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى