
تشهد أوروبا واحداً من أكثر فصول الصيف قسوة في تاريخها الحديث، مع موجات حر وجفاف وحرائق غابات ألقت بظلالها على الاقتصادات الأوروبية، وسط تحذيرات متزايدة من أن الخسائر الناجمة عن تغير المناخ باتت تتجاوز بكثير كلفة السياسات الرامية إلى الحد من الانبعاثات.
وتتزامن الكوارث الطبيعية مع مساعي الاتحاد الأوروبي لإعادة صياغة سياساته المناخية بما يحقق توازناً بين خفض الانبعاثات وتعزيز القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية في مواجهة الولايات المتحدة والصين.
غير أن موجات الحر والحرائق والجفاف التي اجتاحت القارة خلال الأشهر الأخيرة أعادت إلى الواجهة المخاوف من أن تغير المناخ أصبح يمثل أحد أكبر التهديدات للنمو الاقتصادي الأوروبي.
وأدت موجة الحر القياسية التي ضربت أوروبا في نهاية يونيو إلى وفاة أكثر من 14 ألف شخص، فيما اضطر نحو نصف مليون شخص إلى مغادرة منازلهم هرباً من حرائق الغابات التي اجتاحت مناطق واسعة في فرنسا وإسبانيا واليونان، بينما عاد كثير منهم ليجدوا منازلهم وقد تحولت إلى أنقاض.
ولا تقتصر التداعيات على الخسائر البشرية، إذ تواجه الحكومات الأوروبية فاتورة ضخمة لإعادة إعمار المناطق المتضررة، في وقت تتعرض فيه قطاعات الإنتاج والزراعة والطاقة والنقل لضغوط متزايدة.
وتشير التقديرات إلى أن موجات الحر تقلص إنتاجية العمال بصورة ملحوظة، إذ تنخفض كفاءة العمل بنسبة تتراوح بين 2 و3 بالمئة مع كل درجة مئوية تتجاوز الحدود الطبيعية، في حين ترتفع تكاليف تشغيل الشركات بسبب الاعتماد المتزايد على أنظمة التبريد.
كما تتوقع مؤسسات اقتصادية أن تؤدي هذه العوامل إلى خسائر كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات المقبلة، مع تقديرات تشير إلى خسائر تراكمية قد تبلغ 240 مليار دولار في فرنسا، و147 مليار دولار في إيطاليا، و131 مليار دولار في ألمانيا، و120 مليار دولار في إسبانيا خلال الفترة بين 2026 و2030.
وفي ألمانيا وحدها، تشير تقديرات أولية إلى أن موجة الحر في نهاية يونيو كلفت الاقتصاد ما لا يقل عن 6.3 مليار يورو نتيجة انخفاض الإنتاجية.
وفي القطاع الزراعي، أدى استمرار الجفاف وارتفاع درجات الحرارة إلى تراجع إنتاج الحبوب بصورة حادة، حيث فقد المزارعون نحو تسعة ملايين طن من المحاصيل خلال موجة الحر الأخيرة، بما يعادل خسائر تقدر بنحو ملياري يورو.
كما تسبب انخفاض منسوب الأنهار الأوروبية في تعطيل حركة النقل التجاري، خاصة على نهر الراين، الذي يعد أحد أهم الممرات لنقل الفحم والمواد الكيميائية والسلع الصناعية داخل أوروبا.
ووصل منسوب المياه في الراين إلى أدنى مستوياته منذ بدء تسجيل البيانات في عام 1880، ما أجبر السفن على تقليص حمولاتها بنسبة وصلت إلى 80 بالمئة لتجنب الجنوح، الأمر الذي أدى إلى اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل.
وأعلنت شركات صناعية ألمانية، بينها مجموعة “تيسن كروب”، خفض إنتاجها نتيجة تأخر وصول المواد الخام، فيما حذر اقتصاديون من أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى خفض النمو الاقتصادي الألماني خلال الربع الثالث من العام.
وامتدت تداعيات الجفاف إلى قطاع الطاقة، إذ أدى انخفاض منسوب نهر الدانوب إلى تهديد تشغيل محطات الطاقة النووية التي تعتمد على مياه النهر في عمليات التبريد.
وفي المجر، باتت محطة “باكس” النووية، التي توفر نحو 40 بالمئة من كهرباء البلاد، تعمل بجزء محدود من طاقتها، بينما تستعد الحكومة لاحتمال حدوث نقص في إمدادات الكهرباء مع استمرار ارتفاع الأسعار.
كما اضطرت رومانيا إلى اتخاذ إجراءات طارئة للحفاظ على تشغيل محطاتها النووية، في حين أوقفت شركات صناعية، بينها مصانع سيارات، جزءاً من إنتاجها لتقليل استهلاك الكهرباء.
وفي فرنسا، أدى الجفاف إلى إغلاق ثلاثة مفاعلات نووية وخفض إنتاج عدد آخر بسبب انخفاض مستويات المياه اللازمة للتبريد.
وتواصل حرائق الغابات إلحاق خسائر واسعة بالاقتصاد الأوروبي، بعدما أتت النيران حتى نهاية يوليو على نحو 465 ألف هكتار من الأراضي داخل الاتحاد الأوروبي.
وتقدر السلطات الفرنسية تكلفة إعادة تأهيل كل هكتار من الغابات المحترقة بنحو عشرة آلاف يورو، فيما شهدت المناطق السياحية المتضررة تراجعاً كبيراً في النشاط الاقتصادي بعد إغلاق آلاف الشركات ومغادرة الزوار.



