رئيسيشئون أوروبية

الأزمة الإيرانية تضع الاتحاد الأوروبي أمام اختبار وحدة جديد

يواجه الاتحاد الأوروبي اختباراً سياسياً ودبلوماسياً جديداً مع تصاعد الصراع المرتبط بإيران، في وقت يعاني فيه التكتل بالفعل من ضغوط الحرب الروسية في أوكرانيا والتوترات المتجددة في العلاقات عبر الأطلسي مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

ويكافح الاتحاد لصياغة موقف موحد في أزمة يتمتع فيها بنفوذ محدود مقارنة بالولايات المتحدة والقوى الإقليمية.

وترأست رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين اجتماعاً طارئاً للمفوضين الأوروبيين في بروكسل، بالتزامن مع مشاورات مكثفة بين وزراء خارجية الدول الأعضاء الـ27، بعد خلافات حول صياغة بيان مشترك بشأن التطورات الأخيرة.

وجاء التحرك الأوروبي بعد يومين من ضربات أميركية إسرائيلية مكثفة على أهداف في إيران، أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار المسؤولين، ما دفع طهران إلى تنفيذ هجمات مضادة في أنحاء الشرق الأوسط.

في المقابل، أصدر قادة ما يعرف بدول “E3” – إيمانويل ماكرون وفريدريش ميرتس وكير ستارمر – بياناً أكثر تشدداً أكدوا فيه استعدادهم لاتخاذ “إجراءات دفاعية ضرورية ومتناسبة” بالتنسيق مع الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، بهدف تقويض قدرات إيران الصاروخية.

ويعكس هذا التباين في اللهجة بين بيان الدول الثلاث وبيان الاتحاد الأوروبي انقساماً أوسع داخل التكتل.

فقد دعا بيان وزراء الخارجية الأوروبيين إلى “الاحترام الكامل للقانون الدولي”، وحث إيران على وقف تطوير برنامجها الصاروخي، مع التشديد على ضرورة استعادة الأمن الإقليمي ودعم “الحريات الأساسية” للشعب الإيراني.

وأحد أبرز نقاط الخلاف خلال المناقشات تمثلت في ما إذا كانت الإشارة إلى القانون الدولي تُعد انتقاداً ضمنياً للضربات الأميركية الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، أدان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الهجمات، محذراً من أنها قد تؤدي إلى “نظام دولي أكثر اضطراباً وعداءً”. في المقابل، قال المستشار الألماني ميرتس إن “الوقت ليس مناسباً لتوجيه اللوم للشركاء والحلفاء”.

ورغم الانقسامات، وافقت جميع الدول الأعضاء في نهاية المطاف على البيان المشترك، الذي تعهد باتخاذ “جميع الخطوات اللازمة” لحماية المواطنين الأوروبيين في المنطقة.

في موازاة ذلك، دعت قبرص، التي تتولى الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي، إلى اجتماع استجابة سياسية متكاملة للأزمة، يجمع مؤسسات الاتحاد والدول الأعضاء لبحث تداعيات الصراع على الأمن الداخلي، وسلاسل الإمداد، وأمن الطاقة.

وتُعد قبرص أقرب دولة عضو في الاتحاد إلى منطقة النزاع، وسط مخاوف أمنية متزايدة بعد تقارير عن تهديدات محتملة.

كما يجري التحضير لاجتماع بين كبار دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي ووزراء خارجية دول الخليج، في محاولة لتعزيز التنسيق السياسي والأمني في ظل التصعيد الإقليمي.

على صعيد آخر، برزت المجر مجدداً كعامل تعطيل محتمل داخل الاتحاد. فقد أفادت مصادر دبلوماسية بأن بودابست رفضت في مرحلة أولى التوقيع على البيان المشترك، مستغلة النقاش لإثارة قضية منفصلة تتعلق بدعم الاتحاد لأوكرانيا وخط أنابيب النفط الروسي الذي يمر عبرها.

وكانت المجر قد عطلت سابقاً حزمة تمويل أوروبي بقيمة 90 مليار يورو مخصصة لكييف.

وتزيد التطورات الميدانية من تعقيد المشهد. فقد ردت إيران بهجمات على قواعد عسكرية أميركية في البحرين والعراق والأردن والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات.

وأُعلن عن مقتل ثلاثة جنود أميركيين في هذه الهجمات، فيما قال ترامب إن العمليات الأميركية قد تستمر “أربعة أسابيع أو أقل”.

كما ناقش سفراء الاتحاد الأوروبي تداعيات محتملة لإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، وما قد يسببه ذلك من اضطرابات في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الأوروبية.

وتكشف الأزمة الإيرانية عن صعوبة توحيد الموقف الأوروبي في قضايا السياسة الخارجية والدفاع، خاصة عندما تتداخل الحسابات الوطنية مع الاعتبارات الجيوسياسية الكبرى.

وبينما يسعى الاتحاد إلى لعب دور دبلوماسي فاعل، يظل تأثيره محدوداً في نزاع تقوده واشنطن وتتصدره قوى إقليمية، ما يضع التكتل أمام اختبار جديد لوحدته وقدرته على التأثير في النظام الدولي المتغير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى