رئيسيشئون أوروبية

نيكوسور دان يبدأ “مهمة كابوسية” في رئاسة رومانيا وسط تحديات اقتصادية وسياسية عميقة

يؤدى نيكوسور دان اليمين الدستورية يوم الاثنين رئيسًا جديدًا لرومانيا، إيذانًا ببدء مهمة محفوفة بالصعوبات في بلد يترنح تحت وطأة أزمات مالية عميقة، وتراجع الثقة بالديمقراطية، وتحديات جيوسياسية متصاعدة على حدود الحرب في أوكرانيا.

دان، الأستاذ السابق في الرياضيات والناشط المدني المعروف بمناهضته للفساد، فاز بشكل مفاجئ على المرشح اليميني المتطرف جورج سيميون في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التي جرت في 18 مايو/أيار. لكن الفوز الانتخابي لم يترك له متسعًا للاحتفال، إذ يواجه من اليوم الأول قائمة طويلة من التحديات، تبدأ بتشكيل حكومة وتصل إلى محاولات ترميم الديمقراطية المهشمة.

تشكيل حكومة على حافة الانهيار المالي
يُعد تشكيل حكومة جديدة أول اختبار حاسم للرئيس الجديد. ورغم إعلان دان استعداده للتعاون مع الأحزاب المؤيدة للاتحاد الأوروبي، فإن الحزب الديمقراطي الاجتماعي، وهو الكتلة الأكبر في البرلمان، يدرس البقاء في صفوف المعارضة. وفي حال فشل التوصل إلى ائتلاف مستقر، فإن رومانيا ستكون أمام خيار حكومة أقلية، وهو ما يثير قلق المستثمرين الدوليين ويهدد بخفض التصنيف الائتماني للبلاد.

يقول محللون إن دان بحاجة إلى استثمار الزخم السياسي الذي جاء به إلى الرئاسة لفرض إصلاحات مالية عاجلة. إيلينا كاليسترو، رئيسة منظمة “فانكي سيتيزنز” في بوخارست، تحذر من أن “رومانيا على حافة تخفيض التصنيف السيادي، وتخضع بالفعل لإجراءات أوروبية بشأن العجز المفرط”، داعية دان إلى تشكيل فريق اقتصادي قوي يُرسل إشارات حاسمة إلى الأسواق والمفوضية الأوروبية.

في هذا السياق، طرح دان اسم إيلي بولوجان، الرئيس المؤقت المحترم، لتولي رئاسة الوزراء، واضعًا خفض عجز الميزانية إلى 7.5% من الناتج المحلي ضمن أولويات حكومته المقبلة.

رومانيا شريك حيوي لأوروبا
يمثل موقع رومانيا الاستراتيجي على البحر الأسود وحدود أوكرانيا، فضلًا عن وجود أكبر قاعدة لحلف الناتو في أوروبا على أراضيها، ورقة قوة سياسية يجب استثمارها. ويؤكد دان رغبته في لعب دور فاعل في الاتحاد الأوروبي، لا سيما في مفاوضات الميزانية الأوروبية والدفاع المشترك.

التهديد بانسحاب محتمل للولايات المتحدة بقيادة ترامب من دعم أوكرانيا يدفع برومانيا إلى الواجهة، بحسب خبراء. أوتيليا نوتو، المحللة في مركز “منتدى الخبراء”، دعت دان إلى الضغط من أجل مصادرة الأصول الروسية المجمدة لصالح أوكرانيا، مؤكدة أن “دعم أوكرانيا انتصارًا وهزيمةً قضية وجودية لرومانيا”.

وترى نوتو أن الوقت قد حان لرومانيا كي يكون لها “صوت قوي في بروكسل”، بعيدًا عن دور التابع.

استعادة الثقة في الديمقراطية
تُعد مهمة إحياء الديمقراطية الرومانية من أصعب المهام التي تنتظر دان، خاصة في ظل استمرار الشكوك بعد إلغاء الانتخابات الرئاسية السابقة العام الماضي إثر مزاعم بالتدخل الأجنبي. ويعِد الرئيس الجديد بمحاربة الفساد، وتعيين قضاة مستقلين، وكسر هيمنة الأحزاب التقليدية التي يرى كثيرون أنها اختزلت السياسة في صفقات ومحسوبيات.

أوانا بوبيسكو-زامفير، المستشارة السابقة في الحكومة، قالت إن النظام السياسي في رومانيا “تآكل أخلاقيًا”، مضيفة: “التحدي الكبير أمام دان هو: كيف سيتعامل مع طبقة سياسية اعتادت مقاومة التغيير؟”.

رغم كل التحديات، يرى البعض في دان شخصية تتعلم وتتكيف. ويعترف هو نفسه بأن هناك “ضغطًا من المجتمع” على “الطبقة السياسية القديمة” لتغيير سلوكها، قائلاً: “أعتقد أنهم أدركوا أنهم بحاجة لتغيير حقيقي، في بعض الأمور الجوهرية”.

مستقبل محفوف بالمخاطر
لا يبدو أن الطريق أمام نيكوسور دان سيكون سهلًا، فالآمال المعلقة عليه كبيرة، لكن أدوات التغيير لا تزال محدودة في نظام سياسي هش. رومانيا تقف على مفترق طرق بين الانزلاق في أزمات أعمق أو استثمار الفرصة النادرة في قيادة جديدة ذات شرعية شعبية لمواجهة تحديات الداخل والخارج.

يبقى أن نرى ما إذا كان دان سيقدر على ترجمة وعوده إلى واقع، في بلد لا يُغفر فيه الفشل سريعًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى