رئيسيشئون أوروبية

إعادة تسليح ألمانيا تهز توازن القوى في أوروبا وتثير قلق باريس ووارسو

تشهد أوروبا تحوّلًا جذريًا في توازن القوى، مع عودة ألمانيا لتتصدر المشهد العسكري بعد عقود من الاعتماد على تفاهم ضمني بين الدول الأوروبية. فقد كانت القاعدة التقليدية للاتحاد الأوروبي تقوم على أن تتولى ألمانيا إدارة الأموال، بينما تتولى فرنسا الشؤون العسكرية.

واليوم، يتغير هذا التوازن بشكل ملموس، مع عزم برلين على تعزيز قدراتها الدفاعية لتصبح القوة العسكرية الرائدة في أوروبا.

ويتوقع أن تصل ميزانية الدفاع الألمانية بحلول عام 2029 إلى 153 مليار يورو سنويًا، ما يمثل حوالي 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أكبر توسع عسكري منذ إعادة توحيد البلاد.

وتشمل خطط التسلح الحديثة دبابات متقدمة، صواريخ دقيقة، طائرات نفاثة، طائرات بدون طيار، أنظمة رادار، وأقمارًا صناعية.

ويأتي هذا التوسع العسكري بالتزامن مع امتلاك ألمانيا لأكبر جيش في أوروبا، ما يتيح لها الجمع بين القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية في وقت واحد.

أما فرنسا، التي تعتمد على جهازها العسكري كأساس لمكانتها السياسية، فتواجه ضغوطًا متزايدة للحفاظ على نفوذها.

وتخطط باريس للوصول إلى 80 مليار يورو سنويًا بحلول عام 2030، إلا أن قيود الميزانية العامة وارتفاع الدين إلى أكثر من 110% من الناتج المحلي تجعلها أقل قدرة مقارنة بألمانيا على تنفيذ خطط تسليح واسعة النطاق.

وقد أبدى المسؤولون الفرنسيون قلقهم من الهيمنة الألمانية المتزايدة، مؤكدين أن أي تعاون دفاعي مشترك سيكون صعبًا نتيجة هذه الفجوة في القدرات.

على الجانب الشرقي، تثير إعادة تسليح ألمانيا مخاوف بولندا التي تخشى أن يؤثر هذا التوسع على التحالفات الإقليمية.

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن تحالفًا ألمانيًا-بولنديًا قد يكون السبيل الأكثر فاعلية لإبقاء روسيا تحت السيطرة، خاصة في ظل إنفاق وارسو على الدفاع بما يعادل 4.7% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، وهو أعلى مستوى ضمن حلف شمال الأطلسي.

ومن الناحية الصناعية، تعتزم ألمانيا توجيه معظم عقود التسلح داخليًا، مع أقل من 10% من المشاريع مخصصة للموردين الأمريكيين.

وتشمل هذه الخطط 83 مليار يورو من العقود الدفاعية التي ستتم الموافقة عليها بحلول نهاية 2026، مع “قائمة أمنيات” طويلة الأمد بقيمة 377 مليار يورو تشمل أكثر من 320 برنامجًا جديدًا.

ويُظهر هذا التوجه أن ألمانيا ستصبح المحرك الصناعي والدفاعي للاتحاد الأوروبي، ما يعزز نفوذها الاقتصادي والسياسي بشكل كبير.

وتثير هذه التحولات أسئلة جوهرية حول الدور الجيوسياسي لألمانيا، وطبيعة التعاون الأوروبي الدفاعي في المستقبل. فقد أدى الاحتكاك الأخير حول مشروع الجيل القادم من الطائرات المقاتلة الأوروبية (FCAS)، الذي يشارك فيه فرنسا وألمانيا وإسبانيا، إلى تعميق القلق الفرنسي بشأن حصة فرنسا في المشاريع المشتركة، وربما دفع برلين للتعاون مع دول أخرى مثل السويد أو المملكة المتحدة.

كما يعكس هذا التوسع العسكري الألماني استجابة لضغوط داخلية وخارجية، حيث يطالب الشركاء الأوروبيون ألمانيا بتحمل المزيد من المسؤوليات الأمنية، بينما يسعى المستشار فريدريش ميرز لإيجاد توازن بين القوة الدفاعية والمصالح الاقتصادية والسياسية للبلاد.

وبالمجمل تشهد أوروبا مرحلة جديدة من إعادة التوازن بين القوى، مع ألمانيا في الصدارة، ما يضع فرنسا ووارسو أمام تحديات كبيرة، ويثير تساؤلات حول مستقبل التحالفات والدور الأوروبي في الأمن الإقليمي والدولي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى