رئيسيشئون أوروبية

ستارمر يتعهد بتعميق اندماج بريطانيا مع السوق الموحدة الأوروبية في إعادة ضبط لملف بريكست

تعهد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بدفع المملكة المتحدة نحو مزيد من الاندماج مع السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي، في تحول لافت يعكس رغبته في إعادة ضبط علاقة بلاده مع الاتحاد الأوروبي، مستفيدًا من استقبال أوروبي إيجابي ورد فعل داخلي أقل حدة مما كان متوقعًا من مؤيدي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وخلال تصريحات للصحفيين أثناء زيارة رسمية إلى الصين، قال ستارمر إنه يريد «المضي قدمًا» في تعزيز التوافق مع السوق الأوروبية حيث «يصب ذلك في مصلحتنا الوطنية».

وأضاف: «أعتقد أن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي وكل قمة يجب أن تكون تفاعلية. ينبغي أن نسعى إلى التقدم، وهناك مجالات أخرى في السوق الموحدة يجب أن ننظر فيها لنرى ما إذا كان بإمكاننا إحراز مزيد من التقدم».

وكان ستارمر قد وافق في مايو من العام الماضي على إعادة إدماج بريطانيا فعليًا في فلك بروكسل في قطاعين أساسيين هما الزراعة والكهرباء. ومن المتوقع أن تُستكمل الاتفاقيات الخاصة بهذين القطاعين قريبًا، على أن تلتزم لندن بلوائح الاتحاد الأوروبي ذات الصلة مقابل وصول أكثر سلاسة إلى السوق.

ويمثل هذا النهج مضاعفة للجهود الحكومية بعد أن بدا أن ستارمر شعر بالارتياح إزاء الاستقبال الأوروبي الإيجابي وردة الفعل الداخلية المحدودة.

غير أن تصريحاته تشكل أيضًا تحولًا بلاغيًا مهمًا، إذ تعهّد برنامج حزب العمال الانتخابي لعام 2024 صراحة بأنه «لن تكون هناك عودة إلى السوق الموحدة»، فضلًا عن استبعاد الاتحاد الجمركي وحرية التنقل.

ورغم تخفيف الحكومة العمالية موقفها تجاه السوق الموحدة، فإنها شددت موقفها من الاتحاد الجمركي. وقال ستارمر بوضوح: «المكان الذي ينبغي أن ننظر إليه هو السوق الموحدة، وليس الاتحاد الجمركي»، معتبرًا أن الانضمام إلى الأخير سيُلزم بريطانيا بإلغاء اتفاقيات تجارية أبرمتها ضمن سياستها التجارية المستقلة بعد بريكست.

في المقابل، يؤكد مسؤولون أوروبيون انفتاح بروكسل على «مقترحات ملموسة» من لندن، لكنهم يحذرون من أن إعادة الانضمام قطاعًا بعد قطاع إلى السوق الموحدة لن تكون سهلة.

فالاتحاد وافق جزئيًا على ترتيبات الزراعة والكهرباء تحت ضغط صناعات أوروبية ترى فائدة مباشرة، بينما تختلف الحسابات في قطاعات أخرى استفادت فيها شركات أوروبية من القيود المفروضة على منافسين بريطانيين.

كما تبرز حساسية مسألة حرية تنقل الأشخاص، وهي شرط أساسي لدول مثل النرويج وسويسرا، ويثير تساؤلات داخل بروكسل حول الحد الذي ينبغي أن ترسمه في منح وصول موسع لدولة لا تقبل هذا المبدأ. ويخشى مسؤولون أوروبيون من تكرار «النموذج السويسري» المعقّد، القائم على شبكة اتفاقيات متشعبة تعاد مراجعتها باستمرار.

ولم يحدد ستارمر القطاعات التالية المستهدفة، مكتفيًا بالقول إن المفاوضات جارية استعدادًا للقمة المقبلة. غير أن مسؤولين بريطانيين يركزون حاليًا على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في مايو، بينما يرى ممثلون عن قطاع الأعمال في بروكسل أن التوافق في مجالات مثل الكيماويات ومستحضرات التجميل والأجهزة الطبية قد يحقق مكاسب متبادلة.

وإلى جانب الزراعة والكهرباء، اتفقت لندن وبروكسل سابقًا على اتفاقية أمنية لتعزيز التعاون الدفاعي، وربط أنظمة تداول الانبعاثات لتجنب ضرائب الكربون الحدودية، إضافة إلى برنامج لتنقل الشباب بتأشيرات محددة السقف والمدة.

بهذا المسار، يراهن ستارمر على براغماتية اقتصادية تُخفف كلفة بريكست دون «عودة كاملة»، فيما يبقى نجاح الرهان مرهونًا بمرونة بروكسل وقدرة لندن على موازنة الداخل السياسي مع متطلبات السوق الأوروبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى