فرنسا تدخل سباق الرئاسة قبل أوانه وسط مخاوف من صعود اليمين المتطرف

رغم أن الانتخابات الرئاسية الفرنسية لا تزال على بعد أكثر من 14 شهراً، فإن معركة خلافة الرئيس إيمانويل ماكرون بدأت فعلياً، في مشهد سياسي يعكس حجم المخاطر التي تحيط باستحقاق 2027، خصوصاً مع احتمال وصول رئيس يميني متطرف متشكك في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي إلى قصر الإليزيه.
وتقليدياً، لا تنطلق الحملات الرئاسية في فرنسا إلا بعد عطلة أغسطس من العام السابق للانتخابات، لكن السباق هذه المرة بدأ مبكراً بشكل غير معتاد.
فمع عدم قدرة ماكرون على الترشح لولاية جديدة، تحوّلت معظم الملفات السياسية – من البيئة إلى تنظيم الأعمال – إلى ساحات اختبار مبكرة للمرشحين المحتملين.
وكانت قمة “التأثير العالمي” التي انعقدت في باريس الأسبوع الماضي مثالاً واضحاً على ذلك. الحدث الذي كان يفترض أن يركز على التحول الأخضر في أوروبا، تحول إلى منصة استعرض فيها طامحون للرئاسة رؤاهم للبلاد.
وقد استغل كل من مارين تونديليه من حزب الخضر، وجوردان بارديلا من حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، وغابرييل أتال من الوسط، ورافائيل غلوكسمان من يسار الوسط، المناسبة لعرض مشاريعهم السياسية وتوجيه رسائل انتخابية مبكرة.
وقال رئيس الوزراء السابق غابرييل أتال خلال القمة: “نحن بحاجة إلى الاستعداد للمستقبل. يواجه البلد لحظة حاسمة في عام 2027، وهي لحظة مهمة لفرنسا وأوروبا”، في إشارة واضحة إلى الرهانات السياسية القادمة.
من جهتها، بدأت جماعة الضغط التجارية القوية “ميديف” التحرك مبكراً أيضاً، حيث تنظم لقاءات غداء تجمع كبار رجال الصناعة مع مرشحين محتملين مثل بارديلا وأتال وزعيم الحزب الاشتراكي أوليفييه فور، في محاولة للتأثير على برامجهم الاقتصادية قبل أن تتبلور رسمياً.
وفي السياق ذاته، تُعتبر الانتخابات البلدية المقررة الشهر المقبل بمثابة بروفة سياسية للسباق الرئاسي. يأمل حزب التجمع الوطني في ترسيخ مكانته كقوة سياسية أولى في البلاد، بينما يسعى اليسار والوسط لإثبات أن نفوذهما لا يزال قائماً رغم تصاعد اليمين المتطرف.
ويقول خبير استطلاعات الرأي برونو جانبارت من مؤسسة OpinionWay إن “الحملة ستكون طويلة جداً”، مشيراً إلى أن الانطلاق المبكر يعكس توتراً سياسياً غير مسبوق.
ورغم ذلك، فإن التقدم المبكر في استطلاعات الرأي لا يضمن النجاح. فقد أعلن رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب ترشحه قبل أشهر، وكان يُنظر إليه في البداية على أنه الأوفر حظاً، لكنه تراجع لاحقاً في الاستطلاعات.
ورئيس الوزراء الليبرالي السابق فرانسوا بايرو، الذي لا يخفي طموحه الرئاسي، اعتاد القول إن المهم هو أن يكون المرشح “حاضراً في النقاش بحلول عيد الميلاد الذي يسبق الانتخابات”، في إشارة إلى أن الحسم الحقيقي يأتي متأخراً.
وتتميز فرنسا بقوانين صارمة لتمويل الحملات، ما يقلل الحاجة إلى جمع تبرعات مبكرة، إلا أن المخاوف من فوز مرشح يميني متطرف دفعت أحزاب الوسط واليسار إلى البحث عن شخصية قادرة على مواجهة بارديلا أو مارين لوبان، التي لا تزال تطعن في حكم إدانتها بالاختلاس والذي أخرجها مؤقتاً من السباق.
والمشهد السياسي لا يفتقر إلى الطامحين. إلى جانب فيليب وتونديليه، أعلن النائب الاشتراكي جيروم غيدج انضمامه إلى السباق أملاً في استثمار الوقت الطويل لبناء قاعدة شعبية. كما يُتداول اسم رئيس الوزراء السابق دومينيك دو فيلبان، وزعيم الجمهوريين برونو ريتيلو، ورئيس منطقة هوت دو فرانس كزافييه بيرتراند كمرشحين محتملين.
ويثير هذا التعدد قلقاً في صفوف يمين الوسط. وزير العدل جيرالد دارمانان حذر من أن كثرة المرشحين قد تمنع وصول أي منهم إلى جولة الإعادة، قائلاً: “المنافسة طبيعية ومشروعة، لكن إذا كان هناك أكثر من مرشح، فقد لا يصل أي منهم إلى الجولة الثانية. نحن بحاجة إلى الاتفاق”.
وتطرح بعض الأطراف فكرة إجراء انتخابات تمهيدية داخل المعسكرات السياسية قبل انطلاق الجولة الأولى الرسمية، لكن الفكرة لا تحظى بإجماع، خصوصاً بين المرشحين الذين يتقدمون بفارق ضئيل ويخشون خسارة موقعهم لصالح منافسين أقل شهرة.
في المقابل، يرى آخرون أن ترك المرشحين يتنافسون بحرية قد يكون أفضل، في ما يشبه “الانتقاء الطبيعي” السياسي، حيث يبقى الأقوى والأكثر قدرة على جذب الناخبين.
والأسبوع الفاصل بين جولتي الانتخابات البلدية قد يقدم مؤشرات مهمة حول قدرة الأحزاب على التحالف لمواجهة خصومها.
فنتائج الانتخابات المحلية لا تُسقط مباشرة على المستوى الوطني، لكنها تكشف أنماط التعاون أو التنافس بين القوى السياسية.
ومع اقتراب 2027، تبدو فرنسا أمام سباق مفتوح بلا مرشح مهيمن، ومشهد سياسي أعاد تشكيله ماكرون منذ 2017، وناخبون يراقبون بحذر صعود اليمين المتطرف. المعركة بدأت مبكراً، لكن حسمها لا يزال بعيداً – وقد يحمل مفاجآت تغير ملامح الجمهورية الخامسة من جديد.



