خلاف داخل حزب العمال: حلفاء ستارمر يرفضون انتقادات بلير لموقف بريطانيا

كشف جدل سياسي داخل بريطانيا عن تباين واضح بين رئيس الوزراء كير ستارمر وسلفه توني بلير بشأن الحرب المرتبطة بإيران، بعدما انتقد بلير موقف الحكومة البريطانية من الضربات الأمريكية.
واندلع الخلاف بعد تصريحات أدلى بها بلير خلال فعالية نظمتها صحيفة “جويش نيوز”، قال فيها إن بريطانيا كان ينبغي أن تدعم الولايات المتحدة منذ بداية العمليات العسكرية.
وأضاف بلير: “إذا كانت الولايات المتحدة حليفك الأساسي وركيزة أمنك، فمن الأفضل أن تكون إلى جانبها”.
وأثارت تصريحات بلير نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية البريطانية، حيث اعتبر البعض أنها تضيف ضغوطاً على حكومة ستارمر في ظل توتر علاقته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
لكن مصادر داخل الحكومة البريطانية قالت إن انتقادات بلير لم تؤد إلى إضعاف موقف رئيس الوزراء، بل ربما عززت قناعته بأن قراره بعدم منح الولايات المتحدة استخداماً غير محدود للقواعد الجوية البريطانية كان الخيار الصحيح.
وأكدت وزيرة الداخلية البريطانية إيفيت كوبر، التي عملت في حكومات حزب العمال السابقة، رفضها الصريح لموقف بلير.
وقالت: “أنا ببساطة لا أوافق على هذا الرأي”، مضيفة أن مصلحة بريطانيا لا تقتضي بالضرورة أن تتبع الولايات المتحدة في كل قرار عسكري.
وأشار مسؤول في مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت إلى أن الحكومة البريطانية تشارك هذا الموقف.
وتكشف هذه الأزمة ربما أوضح تباين أيديولوجي بين بلير وستارمر منذ وصول الأخير إلى السلطة.
فبينما اشتهر بلير بدعمه القوي للتدخلات العسكرية الغربية في الشرق الأوسط، يسعى ستارمر إلى تبني نهج أكثر حذراً في السياسة الخارجية.
وقد أكد رئيس الوزراء البريطاني هذا الاختلاف بوضوح عندما قال الأسبوع الماضي إن حكومته “تعلمت دروس حرب العراق”.
ورغم الخلافات الحالية، فإن العلاقة بين ستارمر وبلير ظلت معقدة منذ صعود زعيم حزب العمال الحالي إلى السلطة.
فقد لعب بلير دوراً غير رسمي كمستشار لستارمر خلال مرحلة التحضير لتولي رئاسة الحكومة.
كما اعتمد ستارمر في بداية ولايته على عدد من الشخصيات السياسية المرتبطة ببلير.
ومن بينهم جوناثان باول الذي عُيّن مستشاراً للأمن القومي، وآلان ميلبورن الذي كُلف بالمساهمة في إصلاح نظام الخدمات الصحية الوطنية.
كما منح ستارمر مناصب وزارية بارزة لسياسيين يعتبرون من أبرز ورثة مدرسة بلير السياسية داخل الحزب.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي ينتقد فيها بلير سياسات حكومة ستارمر. فقد وجه انتقادات سابقة لعدد من السياسات الحكومية، خصوصاً برنامج الوصول إلى الحياد الكربوني.
وغالباً ما يعبّر بلير عن آرائه من خلال معهد “التغيير العالمي” الذي أسسه بعد مغادرته رئاسة الوزراء.
لكن تدخله الأخير بشأن الحرب مع إيران أثار ردود فعل أكثر حدة داخل حزب العمال.
وأبدى بعض نواب حزب العمال المقربين من ستارمر ارتياحهم لظهور هذا الخلاف مع بلير. ويرى هؤلاء أن الوقت قد حان لتحديد السياسة الخارجية البريطانية بشكل مستقل عن إرث التسعينيات.
وقال أحد نواب الحزب: “نحن في عام 2026 وليس في عام 1996. يجب أن تحدد بريطانيا مصالحها بنفسها”.
ورغم ذلك، لا يبدو أن حكومة ستارمر مستعدة للتخلي بالكامل عن نفوذ بلير. فلا يزال رئيس الوزراء السابق يتمتع بعلاقات واسعة في الدوائر الدولية، خصوصاً في الولايات المتحدة.
كما يشغل بلير دوراً في مجلس دولي مرتبط بمبادرات السلام في الشرق الأوسط.
ويقول بعض المسؤولين البريطانيين إن بلير يمكن أن يشكل قناة غير رسمية لفهم توجهات الإدارة الأمريكية، خاصة في ظل الدبلوماسية الشخصية التي يعتمدها ترامب.
ويشير مسؤولون في الحكومة إلى أن بلير قد يكون مفيداً أحياناً في توفير قنوات اتصال غير رسمية مع واشنطن.
وقال أحد الوزراء إن بلير يمثل “قناة جيدة لفهم نوايا ترامب في الشرق الأوسط”.
لكن في الوقت نفسه، يبدو أن حكومة ستارمر حريصة على إبقاء القرار النهائي في يدها.
ويعكس هذا الجدل محاولة قيادة حزب العمال تحقيق توازن صعب بين إرث بلير السياسي ورغبة الجيل الجديد في رسم مسار مختلف للسياسة البريطانية.
ويرى مراقبون أن ستارمر يسعى إلى تجنب تكرار الانقسامات التي خلفتها حرب العراق داخل الحزب قبل أكثر من عقدين.
وفي ظل استمرار التوترات الدولية، قد يصبح هذا النقاش حول دور بريطانيا في الصراعات الخارجية أحد أبرز ملفات السياسة البريطانية في المرحلة المقبلة.



