توتر تجاري متصاعد بين واشنطن وبروكسل مع اقتراب تصويت حاسم على اتفاق التجارة

يحاول مسؤولون في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي احتواء توتر متزايد في العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي، مع اقتراب تصويت حاسم في البرلمان الأوروبي على اتفاقية التجارة بين الجانبين، وسط مخاوف من اندلاع حرب تجارية جديدة.
ويأتي هذا التحرك الدبلوماسي قبل أسبوعين فقط من التصويت المقرر في البرلمان الأوروبي، والذي سيحدد ما إذا كان الاتحاد الأوروبي سيمضي قدماً في تنفيذ الاتفاق التجاري الذي تم التوصل إليه مع الولايات المتحدة العام الماضي.
وتتزايد الضغوط السياسية على بروكسل مع تصاعد الإحباط في واشنطن بسبب ما تعتبره الإدارة الأمريكية تأخيراً أوروبياً في تنفيذ بنود الاتفاق.
وفي هذا السياق يستعد ثلاثة من كبار أعضاء البرلمان الأوروبي للسفر إلى واشنطن الأسبوع المقبل في محاولة لتخفيف التوتر وفتح قنوات حوار مباشر مع المسؤولين الأمريكيين.
ويأمل المشرعون الأوروبيون في عقد اجتماع مع الممثل التجاري الأمريكي جاميسون جرير، الذي اتهم الاتحاد الأوروبي بعدم تنفيذ أي من الالتزامات التي نصت عليها الاتفاقية.
وقال جرير إن الاتحاد الأوروبي لم يطبق عملياً أي من البنود التي تم الاتفاق عليها في اتفاقية التجارة التي وُقعت في منتجع تيرنبيري للغولف في اسكتلندا خلال يوليو الماضي.
وأضاف أن الولايات المتحدة نفذت التزاماتها بسرعة بعد توقيع الاتفاق، بينما ظل التشريع الأوروبي المتعلق بالتعريفات الجمركية معلقاً لأشهر طويلة.
ويجري هذا الحراك الدبلوماسي المكثف قبل تصويت مرتقب في البرلمان الأوروبي في السادس والعشرين من مارس، وهو التصويت الذي سيحدد مصير الاتفاق التجاري بين الطرفين.
لكن احتمال تأجيل التصويت مرة أخرى لا يزال قائماً، بعد سلسلة من التأجيلات السابقة التي زادت من توتر العلاقات التجارية بين الجانبين.
ومن المقرر أن يجتمع كبار المفاوضين في البرلمان الأوروبي في السابع عشر من مارس لمناقشة ما إذا كان ينبغي تأجيل التصويت مرة أخرى.
ويرى مراقبون أن أي تأجيل جديد قد يزيد من خطر عودة النزاع الجمركي بين واشنطن وبروكسل. وتثير الاتفاقية التجارية نفسها جدلاً واسعاً داخل الاتحاد الأوروبي.
فبموجب اتفاقية تيرنبيري وافق الاتحاد الأوروبي على قبول فرض الولايات المتحدة تعريفة جمركية بنسبة 15 في المئة على معظم صادراته.
وفي المقابل تعهد الاتحاد الأوروبي بإلغاء جميع التعريفات الجمركية على السلع الصناعية الأمريكية.
ويرى عدد من المشرعين الأوروبيين أن هذا الترتيب يمنح الولايات المتحدة ميزة غير متوازنة على حساب الشركات الأوروبية.
كما يخشى البعض أن يتراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن الاتفاق أو يستخدمه للضغط على الاتحاد الأوروبي عبر تهديدات جمركية إضافية.
وقد أثارت هذه المخاوف خلافات حادة داخل البرلمان الأوروبي. فحزب الشعب الأوروبي المنتمي ليمين الوسط يدعم تمرير الاتفاق لتجنب تصعيد تجاري مع واشنطن ولتوفير الاستقرار للشركات الأوروبية.
لكن الاشتراكيين والديمقراطيين والليبراليين والخضر يعارضون المضي في الاتفاق بصيغته الحالية.
ويربط هؤلاء المعارضون موقفهم أيضاً بالسياسات الخارجية لإدارة ترامب، بما في ذلك الحرب على إيران وتهديدات فرض تعريفات جمركية على دول أوروبية مثل إسبانيا.
كما يشير بعض النواب إلى تصريحات ترامب حول الاستحواذ على كوبا باعتبارها دليلاً على نهج سياسي غير متوقع في العلاقات الدولية.
وفي محاولة لطمأنة الأوروبيين أكد وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أن واشنطن ستلتزم ببنود الاتفاق التجاري.
لكن هذه التطمينات لم تنجح في تبديد الشكوك داخل الاتحاد الأوروبي، حيث ان بعض النواب الأوروبيين يشككون في مدى التزام إدارة ترامب بالاتفاقيات الدولية.
وقال مسؤول العلاقات مع الولايات المتحدة في البرلمان الأوروبي إن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الثقة في الإدارة الأمريكية.
وأضاف أن البرلمان الأوروبي يحتاج إلى ضمانات علنية بأن واشنطن ستحترم الاتفاق قبل المضي في التصويت.
وتعززت هذه المخاوف بعد أن فتحت الولايات المتحدة هذا الأسبوع تحقيقات جديدة في ممارسات تجارية أوروبية قد تؤدي إلى فرض رسوم جمركية إضافية.
ويرى مسؤولون في بروكسل أن هذه التحقيقات تعكس استمرار النهج التجاري المتشدد لواشنطن تجاه الاتحاد الأوروبي.
كما يخشى الأوروبيون أن تلجأ الإدارة الأمريكية إلى فرض تعريفات جمركية لأسباب تتعلق بالأمن القومي باستخدام قوانين تجارية أمريكية.
وقد دفع هذا الوضع بعض المشرعين الأوروبيين إلى اقتراح إدراج ما يعرف بـ”شرط بدء التنفيذ”.
ويقضي هذا الشرط بأن يدخل الاتفاق التجاري حيز التنفيذ فقط بعد تأكد الاتحاد الأوروبي من التزام الولايات المتحدة بجميع بنوده.
ويرى مؤيدو هذا الاقتراح أنه قد يوفر ضمانة قانونية تمنع تنفيذ الاتفاق قبل التأكد من التزام الطرفين الكامل به.
لكن الخلافات داخل البرلمان الأوروبي لا تزال تعرقل الوصول إلى موقف موحد. وفي ظل هذه الانقسامات تبقى نتيجة التصويت المرتقب غير مؤكدة.
وقد يؤدي فشل الاتفاق إلى تصعيد جديد في النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ويفتح الباب أمام فرض تعريفات جمركية متبادلة تؤثر على التجارة عبر الأطلسي.



