رئيسيشؤون دولية

 دعوات أوروبية لجيش موحد تتصاعد وتراجع الثقة بواشنطن يهز مستقبل الناتو

دعا مفوض الدفاع في الاتحاد الأوروبي أندريوس كوبيليوس إلى تسريع بناء قدرات عسكرية أوروبية مستقلة، معتبراً أن إنشاء جيش أوروبي يمكن أن يسهم في “إصلاح” التوازن داخل حلف الناتو، في ظل تراجع الثقة بالعلاقة مع الولايات المتحدة.

وأكد كوبيليوس، في مقابلة مع موقع “بوليتيكو”، أن الرد الأوروبي على التوترات المتزايدة عبر الأطلسي يجب أن يقوم على تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، بدلاً من الاعتماد الكامل على الشريك الأمريكي.

وتأتي هذه التصريحات في أعقاب لقاء جمع الأمين العام للناتو مارك روته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي شهد توتراً واضحاً بعد انتقادات وجهها ترامب لحلفاء الناتو.

وقال ترامب إن الحلف “لم يكن موجوداً عند الحاجة إليه”، في إشارة إلى موقفه من الحرب ضد إيران، ما أثار قلقاً متزايداً في الأوساط الأوروبية بشأن مستقبل الشراكة الأمنية مع واشنطن.

وتضاف هذه التصريحات إلى سلسلة من الخطوات الأمريكية التي أثارت استياءً أوروبياً، من بينها فرض رسوم جمركية على الحلفاء، وتهديدات بضم غرينلاند، إلى جانب الانتقادات المتكررة لدور الناتو.

وأظهرت نتائج استطلاع للرأي أجرته شركة “كلستر 17” أن الثقة الأوروبية في الولايات المتحدة شهدت تراجعاً ملحوظاً، حيث اعتبر 35% فقط من المشاركين أن واشنطن حليف موثوق، مقابل 60% يرونها منافساً أو تهديداً.

وفي المقابل، أبدى الأوروبيون دعماً واسعاً لتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، حيث أيد 86% تطوير القدرات العسكرية للاتحاد، فيما دعم 69% فكرة إنشاء جيش أوروبي مشترك.

وأشار كوبيليوس إلى أن هذه الأرقام تعكس تحولاً واضحاً في المزاج العام داخل أوروبا، قائلاً إن “ثقة الأوروبيين بأنفسهم وبقدرتهم على تحقيق استقلال دفاعي أصبحت مرتفعة للغاية”.

وأضاف أن الاعتماد على تحالف يضم 27 جيشاً وطنياً بشكل منفصل لم يعد كافياً، مشدداً على ضرورة بناء قوة عسكرية موحدة قادرة على التحرك بفعالية.

ورغم هذا التوجه، لا تزال فكرة الجيش الأوروبي تواجه انقساماً داخل الاتحاد، حيث تعارضها شخصيات بارزة، من بينها مسؤولة السياسة الخارجية كايا كالاس، التي ترى أن تعزيز الناتو يبقى الخيار الأفضل.

ويعكس هذا الجدل تبايناً في الرؤى داخل أوروبا بين من يدعو إلى استقلال استراتيجي كامل، ومن يفضل الحفاظ على التحالف التقليدي مع الولايات المتحدة.

وفي هذا السياق، توجه كوبيليوس إلى واشنطن لإجراء محادثات مع وزارة الدفاع الأمريكية حول سبل تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، في محاولة لتحقيق توازن بين الاستقلال والشراكة.

ويرى مراقبون أن الدعوة إلى جيش أوروبي لم تعد مجرد فكرة نظرية، بل أصبحت خياراً مطروحاً بجدية في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة.

كما يشيرون إلى أن التوترات الأخيرة كشفت هشاشة الاعتماد الأوروبي على المظلة الأمنية الأمريكية، خاصة في القضايا التي لا تتطابق فيها أولويات الطرفين.

وفي الوقت نفسه، لا يزال الناتو يمثل العمود الفقري للأمن الأوروبي، ما يجعل أي تحرك نحو إنشاء قوة مستقلة عملية معقدة تتطلب توافقاً سياسياً واسعاً.

ويؤكد كوبيليوس أن الهدف ليس استبدال الناتو، بل تعزيز دوره من خلال شريك أوروبي أقوى وأكثر قدرة على تحمل المسؤوليات.

لكن هذا الطرح يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة المستقبلية بين أوروبا والولايات المتحدة، في ظل تزايد الدعوات لإعادة تعريفها على أسس أكثر توازناً.

ومع استمرار التوترات الدولية وتغير موازين القوى، تبدو أوروبا أمام مفترق طرق استراتيجي، بين الحفاظ على تحالفاتها التقليدية أو بناء منظومة دفاعية مستقلة تعكس مصالحها الخاصة.

وتشير هذه التطورات إلى أن مستقبل الأمن الأوروبي قد يشهد تحولات عميقة، مع تصاعد النقاش حول دور القارة في حماية نفسها، بعيداً عن الاعتماد الكامل على واشنطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى