رئيسيشئون أوروبية

 صربيا تحت ضغط أوروبي بسبب تراجع الديمقراطية وتقاربها مع موسكو

تستعد المفوضية الأوروبية لاتخاذ خطوة تصعيدية تجاه صربيا، عبر دراسة خفض أو تعليق تمويل يصل إلى 1.5 مليار يورو، في ظل مخاوف متزايدة بشأن تراجع المعايير الديمقراطية وتقارب بلغراد مع روسيا.

وأكدت مفوضة التوسيع في الاتحاد الأوروبي مارتا كوس أن بروكسل تشعر بـ”قلق متزايد” إزاء التطورات الداخلية في صربيا، مشيرة إلى جملة من المؤشرات السلبية، من بينها تقويض استقلال القضاء، والتضييق على المتظاهرين، والتدخل في عمل وسائل الإعلام المستقلة.

وأوضحت كوس أن المفوضية تجري تقييماً شاملاً لمدى التزام صربيا بشروط الحصول على التمويل الأوروبي، في إشارة إلى احتمال اتخاذ قرار بتجميد المساعدات إذا ثبت الإخلال بهذه المعايير.

وتُعد صربيا دولة مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي منذ عام 2014، ما يمنحها حق الاستفادة من برامج دعم مالي مخصصة لمساعدة الدول المرشحة على تنفيذ إصلاحات قانونية ومؤسسية.

لكن التهديد بوقف التمويل يسلط الضوء على تعثر مسار الانضمام، ويعكس حالة التوتر المتزايدة بين بروكسل وبلغراد، في وقت تتنافس فيه دول أخرى مثل أوكرانيا والجبل الأسود على تسريع انضمامها.

وكشف مسؤولون أوروبيون أن الضغوط داخل المفوضية تصاعدت في الأسابيع الأخيرة لاتخاذ موقف أكثر صرامة، خاصة بعد تمرير إصلاحات قضائية مثيرة للجدل من قبل حكومة الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، والتي واجهت انتقادات حادة داخل الاتحاد.

وتتهم بروكسل هذه الإصلاحات بإضعاف استقلالية القضاء، في حين وصفتها كوس بأنها “خطوة خطيرة إلى الوراء” في مسار الإصلاحات.

وفي المقابل، حاولت بلغراد احتواء الأزمة، حيث أكد سفيرها لدى الاتحاد الأوروبي دانييل أبوستولوفيتش أن بلاده واثقة من تجنب سيناريو تعليق التمويل، مشدداً على التزامها بمواصلة مفاوضات الانضمام.

وأشار إلى أن الحكومة الصربية مستعدة لمواءمة قوانينها مع توصيات لجنة البندقية، التي من المتوقع أن تصدر رأياً حاسماً بشأن التعديلات القضائية المثيرة للجدل.

وتُعد هذه التوصيات عاملاً مفصلياً في قرار الاتحاد الأوروبي، حيث قد تدفع المفوضية إلى تجميد التمويل في حال عدم التزام صربيا بها.

ورغم هذا التوتر، يظل الاتحاد الأوروبي أكبر داعم مالي لصربيا، إذ قدم لها أكثر من 586 مليون يورو كمنح بين عامي 2021 و2024، إضافة إلى حزمة تمويل إضافية تصل إلى 1.5 مليار يورو مشروطة بإصلاحات.

كما تشير البيانات إلى أن صربيا تلقت أكثر من 7 مليارات يورو من الاستثمارات والمساعدات الأوروبية منذ عام 2000، ما يعكس عمق العلاقة الاقتصادية بين الطرفين.

غير أن هذه العلاقة تواجه اختباراً صعباً بسبب ما يصفه مسؤولون أوروبيون بـ”اللعب على الحبلين”، حيث تحافظ صربيا على علاقات وثيقة مع روسيا، في الوقت الذي تسعى فيه للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

وقد زادت هذه الازدواجية من نفاد صبر بروكسل، خاصة في ظل استمرار بلغراد في عدم التماهي الكامل مع السياسات الخارجية الأوروبية.

وفي هذا السياق، أكدت كوس أن الدول المرشحة مطالبة بالاصطفاف مع مواقف الاتحاد الأوروبي، في إشارة غير مباشرة إلى العلاقة مع موسكو.

كما تصاعدت الانتقادات الأوروبية بعد تقارير عن مخالفات خلال الانتخابات المحلية، إلى جانب مواجهات بين الشرطة وطلاب جامعيين، ما زاد من المخاوف بشأن الحريات العامة.

وفي موازاة ذلك، حذرت منظمات حقوقية من تدهور أوضاع حرية الإعلام، حيث قالت صوفيا تودوروفيتش إن سيادة القانون في صربيا أصبحت “على أجهزة الإنعاش”، داعية الاتحاد الأوروبي إلى التدخل قبل تفاقم الوضع.

وتأتي هذه التطورات في ظل فتور سياسي متزايد، تجلى في تجاهل فوتشيتش لقمة الاتحاد الأوروبي مع دول غرب البلقان، وانتقاده بطء مفاوضات الانضمام.

بل إن الرئيس الصربي طرح بديلاً يتمثل في تعزيز التكامل الاقتصادي مع الاتحاد، دون السعي لعضوية سياسية كاملة، وهو ما رفضته بروكسل، مؤكدة ضرورة تنفيذ إصلاحات جوهرية أولاً.

ويرى مراقبون أن العلاقة بين الطرفين دخلت مرحلة حرجة، حيث لم يعد الدعم المالي الأوروبي مضموناً، بل بات مشروطاً بشكل صارم بالتقدم الديمقراطي.

وتعكس هذه الأزمة تحوّلاً في سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه الدول المرشحة، من نهج الدعم المفتوح إلى نهج مشروط يربط التمويل بالإصلاحات الفعلية.

وفي ظل هذه المعطيات، تواجه صربيا خياراً صعباً بين الحفاظ على علاقاتها مع موسكو أو المضي قدماً في مسار الانضمام الأوروبي، وهو خيار قد يحدد مستقبلها السياسي والاقتصادي في السنوات المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى