المجر تسعى إلى بناء تحالف إقليمي واسع في أوروبا الوسطى

يتجه رئيس الوزراء المجري الجديد بيتر ماغيار إلى إعادة صياغة دور بلاده داخل الاتحاد الأوروبي عبر بناء تحالف إقليمي واسع في أوروبا الوسطى، مستندًا إلى الروابط التاريخية والاقتصادية مع دول الجوار، في خطوة تعكس تحولًا استراتيجيًا في سياسة بودابست الخارجية .
وأكد ماغيار أن حكومته ستعمل على تعميق العلاقات مع النمسا ودول أوروبا الوسطى، مستفيدًا من الإرث التاريخي المشترك الذي يعود إلى الإمبراطورية النمساوية المجرية.
وأوضح ماغيار أن هذه الروابط تمثل قاعدة لتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي في المرحلة المقبلة.
ويأتي هذا التوجه بعد فوز ماغيار في الانتخابات، حيث تعهد بإعادة ضبط علاقات المجر مع الاتحاد الأوروبي، ولكن ضمن إطار إقليمي متماسك يضم دولًا ذات توجهات سياسية واقتصادية متقاربة.
ويستهدف هذا التحالف تعزيز نفوذ دول أوروبا الوسطى داخل مؤسسات الاتحاد، في مواجهة ثقل الدول الكبرى مثل ألمانيا وفرنسا.
واقترح ماغيار دمج “مجموعة فيشغراد”، التي تضم المجر وبولندا والتشيك وسلوفاكيا، مع صيغة “سلافكوف” التي تشمل النمسا والتشيك وسلوفاكيا، لتشكيل تكتل أوسع قادر على التنسيق في الملفات الأوروبية. ويرى أن هذا الدمج سيعزز القدرة التفاوضية لهذه الدول داخل بروكسل.
وأعلن ماغيار أن أولى زياراته الخارجية ستكون إلى وارسو وفيينا، في إشارة إلى أولوية العلاقات مع بولندا والنمسا. وتهدف هذه الزيارات إلى بحث سبل التعاون السياسي والاقتصادي، إضافة إلى تنسيق المواقف داخل الاتحاد الأوروبي.
ويرتبط هذا التوجه أيضًا بمحاولة المجر استعادة التمويل الأوروبي المجمد، حيث تسعى الحكومة الجديدة إلى الإفراج عن نحو 18 مليار يورو من أموال الاتحاد الأوروبي، إلى جانب الحصول على قروض دفاعية إضافية. ويُعد هذا الملف من أبرز أولويات ماغيار في المرحلة الحالية.
وتشير التقديرات إلى أن تعزيز التعاون الإقليمي قد يساعد هذه الدول في التأثير على توزيع الأموال الأوروبية ومشاريع البنية التحتية، خاصة في ظل تزايد المنافسة داخل الاتحاد على الموارد المالية.
وتتمتع العلاقات الاقتصادية بين المجر والنمسا بالفعل بعمق كبير، حيث تُعد النمسا ثاني أكبر مستثمر في المجر، مع استثمارات تتجاوز 11 مليار يورو، إضافة إلى وجود عشرات الآلاف من العمال المجريين في السوق النمساوية. ويُنظر إلى هذه الروابط كقاعدة لتوسيع التعاون الاقتصادي.
في المقابل، تواجه هذه المبادرة تحديات سياسية، خاصة في ظل اختلاف مواقف دول أوروبا الوسطى بشأن قضايا رئيسية مثل الحرب في أوكرانيا والعلاقات مع روسيا. فبينما تدعم بعض الدول تقديم مساعدات واسعة لكييف، تتبنى دول أخرى مواقف أكثر تحفظًا.
ورغم هذه التباينات، يرى خبراء أن المصالح الاقتصادية المشتركة قد تدفع نحو تجاوز الخلافات، خاصة في مجالات الطاقة والبنية التحتية. ويؤكد محللون أن التنسيق الإقليمي يمكن أن يمنح هذه الدول وزنًا أكبر داخل الاتحاد الأوروبي.
وتعكس هذه التحركات فهمًا متزايدًا داخل بودابست لطبيعة التوازنات داخل الاتحاد الأوروبي، حيث يتطلب التأثير الحقيقي بناء تحالفات إقليمية قادرة على موازنة نفوذ القوى الكبرى. ويستند ماغيار إلى خبرته السابقة في العمل داخل المؤسسات الأوروبية لتحقيق هذا الهدف.
وتشير المعطيات إلى أن المجر تسعى للانتقال من موقع الدولة المعزولة نسبيًا إلى لاعب إقليمي فاعل، عبر إعادة بناء علاقاتها الأوروبية ضمن إطار جماعي. ويعتمد نجاح هذا المسار على قدرة الحكومة الجديدة على تحقيق توازن بين المصالح الوطنية والتزاماتها داخل الاتحاد.
وتؤكد هذه الاستراتيجية أن أوروبا الوسطى قد تشهد إعادة تشكيل لدورها داخل الاتحاد الأوروبي، في حال نجاح الجهود لتوحيد مواقفها، ما قد يغير موازين القوى داخل القارة في السنوات المقبلة.



