أغلبية أعضاء الاتحاد الأوروبي ترفض دعوة فرنسا لإصلاح الاتفاقية التجارية مع واشنطن

تواجه الدعوة الفرنسية لإعادة النظر في الاتفاقية التجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة رفضًا واسعًا من غالبية الدول الأعضاء، في تطور يعكس انقسامًا داخليًا متصاعدًا داخل التكتل الأوروبي بشأن كيفية التعامل مع العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي .
وأظهرت مشاورات جرت في بروكسل أن تحرك فرنسا لإدخال تعديلات وضمانات إضافية على الاتفاقية لم يحظَ بالدعم الكافي، في حين قادت ألمانيا جبهة معارضة واسعة للحفاظ على النص الأصلي للاتفاق.
يتجه مجلس الاتحاد الأوروبي، الذي يمثل الدول الـ27، لاعتماد موقف ثابت دون تعديل خلال الجولة المقبلة من المفاوضات مع البرلمان الأوروبي، المقررة في السادس من مايو، ما يضعف فرص إدخال تغييرات جوهرية على الاتفاق.
وجاءت هذه التطورات بعد اجتماع سفراء الدول الأعضاء لمراجعة الجولة الأولى من المفاوضات بين مؤسسات الاتحاد، حيث أكدت مصادر دبلوماسية أن مقترحات باريس لم تلقَ تأييدًا يُذكر، خاصة تلك المتعلقة بإعادة النظر في التشريعات التي تنص على إلغاء الرسوم الجمركية على السلع الصناعية الأمريكية.
في المقابل، يدفع البرلمان الأوروبي باتجاه تعديل الاتفاقية بما يتماشى مع التغيرات الجيوسياسية الأخيرة، بما في ذلك سياسات الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب، والتي أثارت قلقًا داخل أوروبا.
وتشمل المقترحات الأوروبية إدراج ما يُعرف بـ”بند الشروق”، الذي يربط إزالة الرسوم الأوروبية بخفض التعريفات الأمريكية على الصلب، إضافة إلى “بند الغروب” الذي يحدد نهاية الاتفاقية في مارس 2028، إلى جانب آلية طوارئ تسمح بتعليق الاتفاق في حال تهديد المصالح الأوروبية.
غير أن هذه الطروحات قوبلت برفض من عدد كبير من الدول، من بينها إيطاليا وهولندا والسويد والدنمارك وأيرلندا ودول البلطيق، التي رأت أن إدخال شروط جديدة قد يعقّد العلاقات مع واشنطن ويهدد استقرار الاتفاق.
وتتقاطع هذه المواقف مع توجه المفوضية الأوروبية، التي حذرت من “إثقال” الاتفاق بمطالب إضافية، حيث أكد مفوض التجارة ماروش شيفكوفيتش أن “الاتفاق هو اتفاق”، في إشارة إلى ضرورة الالتزام بالنص الأصلي.
في المقابل، تبدو فرنسا أقرب إلى موقف البرلمان الأوروبي، حيث تدعم إدخال ضمانات جديدة، معتبرة أن الظروف الدولية تغيّرت منذ توقيع الاتفاق العام الماضي، وأن الاتحاد بحاجة إلى أدوات حماية إضافية.
ويعكس هذا التباين انقسامًا أعمق داخل الاتحاد الأوروبي بين نهج براغماتي تقوده ألمانيا يركز على الاستقرار الاقتصادي، ونهج أكثر حذرًا تتبناه فرنسا يسعى لإعادة ضبط العلاقة مع الولايات المتحدة في ضوء المتغيرات السياسية.
وتزداد تعقيدات المشهد مع استمرار الغموض بشأن مستقبل التعريفات الجمركية الأمريكية، حيث من المتوقع أن تنتهي الإجراءات الحالية في يوليو، ليتم استبدالها برسوم جديدة تستند إلى تحقيقات تجارية أمريكية.
ويضع هذا الغموض الاتحاد الأوروبي أمام تحدي الحفاظ على توازن دقيق بين حماية مصالحه الاقتصادية وتجنب تصعيد تجاري مع واشنطن.
ولا تملك فرنسا، رغم ثقلها السياسي داخل الاتحاد، في الوقت الراهن الدعم الكافي لتشكيل كتلة معارضة قادرة على تغيير مسار المفاوضات، ما يمنح المعسكر الذي تقوده ألمانيا أفضلية واضحة.
في المقابل، يرى بعض أعضاء البرلمان الأوروبي أن الانقسامات داخل المجلس تفتح الباب أمام إعادة التفاوض، معتبرين أن غياب موقف موحد يمنحهم مساحة للمناورة.
وتعكس هذه التطورات مرحلة حساسة في العلاقات عبر الأطلسي، حيث تتداخل الاعتبارات الاقتصادية مع التوترات السياسية، في ظل بيئة دولية متقلبة.
وعليه يواجه الاتحاد الأوروبي اختبارًا داخليًا في قدرته على توحيد موقفه التفاوضي، في وقت تزداد فيه أهمية الاتفاقيات التجارية كأداة استراتيجية، ما يجعل نتائج هذه المفاوضات مؤثرة على مستقبل العلاقات مع الولايات المتحدة.



