رئيسيشؤون دولية

صراع خلافة ستارمر يتحول إلى معركة حول مستقبل بريطانيا الأوروبي

دخل ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مجدداً إلى قلب الصراع السياسي البريطاني، بعدما تحول إلى محور أساسي في المنافسة غير المعلنة على زعامة حزب العمال، وسط تصاعد الضغوط على رئيس الوزراء كير ستارمر عقب النتائج الانتخابية الكارثية التي تعرض لها الحزب مؤخراً.

وبينما لم يُعلن رسمياً عن سباق قيادة داخل الحزب، بدأت الشخصيات البارزة في حزب العمال بإعادة تموضعها سياسياً، مع تصاعد الانقسامات حول العلاقة المستقبلية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، في ملف يعيد فتح جراح بريكست داخل السياسة البريطانية.

ويبرز وزير الصحة السابق ويس ستريتينغ كأحد أكثر الشخصيات اندفاعاً لإعادة ملف أوروبا إلى الواجهة، بعدما وصف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بأنه “خطأ كارثي”، داعياً إلى بناء “علاقة خاصة جديدة” مع الاتحاد الأوروبي تمهيداً للعودة إليه مستقبلاً.

وقال ستريتينغ خلال أول ظهور سياسي له بعد استقالته من حكومة ستارمر إن “مستقبل بريطانيا يكمن في أوروبا”، مؤكداً أن العودة إلى الاتحاد الأوروبي ستحتاج إلى تفويض شعبي جديد عبر الانتخابات العامة.

ورغم لهجته المؤيدة لأوروبا، تجنب ستريتينغ تبني مواقف صريحة بشأن العودة الكاملة إلى السوق الموحدة أو إعادة حرية التنقل، مكتفياً بالإشارة إلى احتمال دعم اتحاد جمركي مع الاتحاد الأوروبي.

ويُنظر إلى تحرك ستريتينغ على أنه محاولة لكسب قواعد حزب العمال المؤيدة بقوة لأوروبا، رغم انتمائه إلى الجناح اليميني داخل الحزب.

في المقابل، يحاول عمدة مانشستر الكبرى آندي بورنهام المناورة بحذر أكبر، خصوصاً مع سعيه للعودة إلى البرلمان عبر دائرة انتخابية مؤيدة تاريخياً لبريكست شمال غرب إنجلترا، حيث يواجه تحدياً مباشراً من حزب الإصلاح البريطاني بقيادة نايجل فاراج.

ورغم تجنبه الخوض بقوة في ملف الاتحاد الأوروبي خلال حملته الحالية، سبق لبورنهام أن أعلن رغبته في رؤية بريطانيا تعود إلى الاتحاد الأوروبي خلال حياته، في تصريحات لاقت ترحيباً داخل القواعد العمالية المؤيدة لأوروبا.

أما نائبة رئيس الوزراء السابقة أنجيلا راينر، فتتبنى مقاربة أكثر حذراً، حيث تدعو إلى معالجة الأضرار الاقتصادية الناتجة عن بريكست دون العودة إلى “الجدالات القديمة” حول البقاء أو الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وأكدت راينر أن العديد من الشركات البريطانية تضررت من طريقة تنفيذ بريكست، مشيرة إلى أن الحكومة مطالبة بإصلاح آثار القرار على الاقتصاد والتجارة البريطانية.

وفي الوقت نفسه، يواصل نايجل فاراج استغلال الانقسامات داخل حزب العمال، مع سعي حزب الإصلاح البريطاني إلى استقطاب الناخبين الغاضبين من محاولات إعادة التقارب مع بروكسل.

ويواجه ستارمر نفسه اتهامات بتغيير مواقفه بشكل متكرر بشأن أوروبا، بعدما انتقل من الدفاع عن حرية التنقل خلال سباق زعامة الحزب عام 2019 إلى تبني خطوط حمراء ضد العودة إلى السوق الموحدة والاتحاد الجمركي لاحقاً.

لكن حكومته بدأت بالفعل خطوات عملية لإعادة التقارب مع الاتحاد الأوروبي عبر مفاوضات تشمل اتفاقات في مجالات الأغذية الزراعية والكهرباء وبرامج التبادل الطلابي مثل “إيراسموس+”.

كما يواجه ستارمر ضغوطاً متزايدة داخل الحزب للتخلي عن بعض الخطوط الحمراء التي وضعها سابقاً بشأن العلاقة مع أوروبا، وسط تصاعد قناعة داخل حزب العمال بأن بريكست ألحق أضراراً اقتصادية عميقة ببريطانيا.

وتحول ملف الاتحاد الأوروبي إلى ساحة صراع مفتوحة داخل حزب العمال، بين جناح يسعى إلى إعادة بريطانيا تدريجياً إلى الفضاء الأوروبي، وآخر يخشى من خسارة الناخبين المؤيدين لبريكست لصالح اليمين الشعبوي.

وفي ظل هذه الانقسامات، تبدو معركة خلافة ستارمر مرشحة للتحول إلى استفتاء داخلي جديد حول مستقبل بريطانيا الأوروبي، بعد سنوات من الانقسام السياسي الذي خلفه بريكست.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى