رئيسيشئون أوروبية

ألمانيا تضخ المليارات لإعادة التسلح في “معركة معقدة”

تواجه ألمانيا معركة معقدة لتحويل مليارات اليوروهات التي رصدتها لإعادة بناء جيشها إلى قوة عسكرية فعلية، وسط تصاعد الضغوط الأمنية الأوروبية بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، وفي ظل اعتراف رسمي بأن نظام التسليح والمشتريات الألماني لم يُصمم للتعامل مع سباق تسلح سريع أو حرب طويلة الأمد.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة “بوليتيكو”، فإن المستشار الألماني فريدريش ميرتس كان قد تعهد قبل عام ببناء “أقوى جيش في أوروبا”، إلا أن تنفيذ هذا الهدف يصطدم اليوم بعقبات هيكلية وصناعية وسياسية متراكمة منذ نهاية الحرب الباردة.

وقالت الصحيفة إن الجيش الألماني “البوندسفير” عانى لعقود من الإهمال ونقص الاستثمار والاعتماد على منظومة إدارية شديدة التعقيد، ما جعل عملية التحول إلى جيش قادر على خوض الحروب الحديثة أكثر صعوبة مما توقعته برلين.

وفي محاولة لتسريع عملية إعادة التسلح، أعلن وزير الدفاع بوريس بيستوريوس الأربعاء عن إعادة تنظيم وكالة المشتريات العسكرية التابعة للجيش الألماني، المعروفة باسم BAAINBw، والتي تتولى مسؤولية شراء وتطوير واختبار المعدات العسكرية.

ووصف بيستوريوس عملية الإصلاح بأنها تشبه “جراحة قلب مفتوح”، مؤكداً أن ألمانيا لا تملك سنوات طويلة لإنجاز التغييرات المطلوبة، في ظل تصاعد المخاوف من تهديدات روسية واحتمال تراجع الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا.

وتضم وكالة المشتريات العسكرية نحو 12,900 موظف، وتخضع عملياتها لسلسلة طويلة من الإجراءات القانونية والرقابية المصممة أساساً لضمان الشفافية ومنع إساءة استخدام الإنفاق العسكري بعد الحرب العالمية الثانية.

لكن هذه الضوابط تحولت اليوم، بحسب مراقبين، إلى عائق رئيسي أمام تسريع عمليات التسليح والتحديث العسكري، حيث تتطلب العقود العسكرية الكبيرة موافقات متعددة وإجراءات معقدة تمتد لفترات طويلة.

وقالت رئيسة الوكالة أنيت لينيغك-إمدن إن المؤسسة ألغت بالفعل نحو 80 قاعدة إجرائية من أصل 160 قاعدة بهدف تسريع العمل، مؤكدة أن “الوقت أصبح العامل الحاسم الآن”.

ورغم هذه الإصلاحات، تواجه الحكومة انتقادات متزايدة بسبب بطء التنفيذ، حيث وصفت رئيسة مكتب التدقيق الفيدرالي الألماني نظام مشتريات الجيش بأنه “منظومة لامسؤولية منظمة”، معتبرة أن الثقافة البيروقراطية داخل المؤسسات الدفاعية تقوم على تجنب اتخاذ القرارات السريعة.

كما وصف المفوض البرلماني للقوات المسلحة في البوندستاغ، هينينغ أوت، لوائح المشتريات العسكرية بأنها “معقدة للغاية”، ما يعرقل سرعة تحديث الجيش الألماني.

لكن الحكومة الألمانية تواجه معضلة أساسية تتمثل في صعوبة إلغاء هذه الضمانات بالكامل، لأنها ترتبط بثقافة الرقابة المدنية والبرلمانية الصارمة على المؤسسة العسكرية، والتي تُعد من ركائز النظام السياسي الألماني بعد الحرب العالمية الثانية.

وبالتوازي مع أزمة البيروقراطية، تواجه برلين تحدياً آخر يتعلق بقدرات الصناعات الدفاعية الألمانية على تلبية الطلب المتزايد على الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية.

ورغم أن شركة “راينميتال” الألمانية رفعت إنتاجها من قذائف المدفعية من 70 ألف قذيفة سنوياً قبل الحرب الأوكرانية إلى نحو 1.1 مليون قذيفة حالياً، فإن تقديرات استراتيجية تشير إلى أن الصناعة الألمانية لا تزال عاجزة عن تلبية احتياجات إعادة التسلح الضخمة خلال السنوات المقبلة.

ووفق دراسة أعدتها شركة “Strategy& Germany”، فإن ألمانيا ستحتاج إلى ما بين 74 و139 مليار يورو سنوياً من المعدات الدفاعية الجديدة حتى عام 2035، بينما لا تستطيع الصناعة المحلية حالياً توفير سوى ما بين 22 و52 مليار يورو فقط.

وتطالب شركات السلاح الألمانية الحكومة بتقديم عقود شراء طويلة الأجل وضمانات واضحة قبل الاستثمار في مصانع وخطوط إنتاج جديدة، في حين تحاول الحكومة دفع الشركات إلى التوسع السريع دون تقديم التزامات مالية طويلة المدى.

كما لا تزال القوانين الألمانية تفرض مرور أي صفقة تسليح تتجاوز قيمتها 25 مليون يورو عبر لجنة الميزانية في البرلمان، ما يبطئ إقرار العقود العسكرية الكبيرة.

ويقول مشرعون ألمان إن البلاد تحاول اليوم إعادة التسلح عبر نظام صُمم أساساً لمنع القرارات العسكرية السريعة، في وقت تغيرت فيه طبيعة الحروب الحديثة بفعل الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية.

ورغم سعي الائتلاف الحاكم لإقرار قانون جديد لتسريع التخطيط العسكري والإنفاق الدفاعي، لا تزال تفاصيل الإصلاحات موضع جدل داخل البرلمان، خاصة فيما يتعلق بالحفاظ على الرقابة الديمقراطية على المؤسسة العسكرية.

ويحذر مسؤولون ألمان من أن الوقت المتاح لإعادة بناء الجيش أصبح محدوداً، في ظل المخاوف المتزايدة من تهديد روسي طويل الأمد وتراجع الاعتماد الأوروبي على الحماية العسكرية الأمريكية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى