حرب إيران تضع اقتصاد أوروبا أمام خطر أخطاء التضخم مجددًا

يواجه البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا اختبارًا اقتصاديًا حساسًا مع تصاعد تداعيات الحرب المرتبطة بإيران، وسط مخاوف من تكرار أخطاء سابقة في التعامل مع موجات التضخم وارتفاع أسعار الطاقة.
وذكرت صحيفة “بوليتيكو” أن رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد ومحافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي يقفان أمام معادلة صعبة، تتمثل في تحديد كيفية الرد على ضغوط الأسعار الجديدة دون تكرار الأخطاء التي أعقبت جائحة كورونا والغزو الروسي لأوكرانيا.
وتشير الصحيفة إلى أن القرارات التي سيتخذها أكبر مسؤولين نقديين في أوروبا لن تحدد فقط مسار الاقتصاد في منطقة اليورو والمملكة المتحدة خلال السنوات المقبلة، بل ستؤثر كذلك على إرثهما في قيادة المؤسستين الماليتين.
وتأتي الأزمة الجديدة مع تهديد الحرب بزيادة أسعار الطاقة مجددًا، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان أزمة عام 2022، عندما تعرضت البنوك المركزية لانتقادات حادة بسبب تأخرها في مواجهة التضخم الذي وصل إلى مستويات قياسية.
لكن صناع القرار يواجهون هذه المرة معضلة أكثر تعقيدًا، إذ إن رفع أسعار الفائدة بسرعة قد يؤدي إلى خنق النمو الاقتصادي الضعيف، بينما قد يؤدي التأخر في التحرك إلى السماح بترسخ التضخم مجددًا.
وقال بول هولينغسورث، رئيس قسم اقتصاديات الأسواق المتقدمة في بنك “بي إن بي باريبا”، إن البنوك المركزية تواجه خطرين محتملين؛ الأول هو التحرك بعد فوات الأوان بما يجبرها لاحقًا على إجراءات أقوى، والثاني هو التشديد النقدي عندما لا تكون الظروف الاقتصادية تتطلب ذلك.
وأوضح أن رفع الفائدة في توقيت خاطئ قد يكون ضارًا إذا كانت موجة الأسعار الحالية مجرد صدمة مؤقتة مرتبطة بالإمدادات وليست بداية دورة تضخمية طويلة.
وتخشى المؤسسات النقدية أن يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة إلى زيادة توقعات التضخم ورفع مطالب الأجور والأسعار، ما قد يضر بالمصداقية التي حاولت استعادتها بعد أزمة 2022.
وفي المقابل، فإن المبالغة في رفع الفائدة قد تضغط على الشركات والمستهلكين وتزيد احتمالات تباطؤ الاقتصاد الأوروبي الذي يعاني أصلًا من ضعف النمو.
ويتوقع اقتصاديون أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، بينما يرجح أن يبقي بنك إنجلترا سياسته النقدية دون تغيير في الوقت الحالي.
غير أن أهمية القرارات لا تكمن فقط في حجم التحرك، بل في الرسالة التي سترسلها الأسواق بشأن طريقة قراءة الأزمة الجديدة.
ولا يزال البنك المركزي الأوروبي متأثرًا بتجربة عام 2011، عندما رفع أسعار الفائدة بعد صدمة في أسعار الطاقة قبل أن يضطر لاحقًا إلى التراجع بعد تدهور الاقتصاد.
كما لا تزال تجربة التضخم الكبير بعد حرب أوكرانيا حاضرة، بعدما اتُهمت البنوك المركزية بالتأخر في الرد على موجة ارتفاع الأسعار.
ومع وصول التضخم في منطقة اليورو إلى 3.2%، أي أعلى من هدف البنك المركزي الأوروبي، يتوقع أن تتجه لاغارد إلى سياسة حذرة تجمع بين التشديد وترك الباب مفتوحًا أمام تعديل المسار.
ومن المتوقع أن ترافق قرارات البنك توقعات بارتفاع التضخم وانخفاض النمو، مع تأكيد استمرار مراقبة مخاطر تحول ارتفاع الأسعار إلى أزمة طويلة.
وقال مارك وول، الخبير الاقتصادي في “دويتشه بنك”، إن البنك المركزي الأوروبي لن يقدم على الأرجح توجيهات أو التزامات مسبقة، وسيحافظ على مرونة قراراته.
لكن بعض الاقتصاديين يحذرون من أن رفع الفائدة الآن قد يكون خطأ مكلفًا.
وقال هولغر شميدينغ، الخبير الاقتصادي في “بيرنبرغ”، إن الوضع الحالي لا يشبه عام 2022، معتبرًا أن زيادة الفائدة قد تزيد ضعف الطلب في وقت يعاني فيه الاقتصاد بالفعل من ارتفاع تكاليف الطاقة وعدم اليقين.
أما في بريطانيا، حيث يبلغ التضخم نحو 2.8%، فإن بنك إنجلترا يواجه وضعًا مختلفًا مقارنة بفترة ما بعد كورونا، إذ لم يعد سوق العمل بالقوة نفسها، كما تراجعت مستويات الدعم الحكومي.
ويرى بيلي أن البنك يمتلك بعض الوقت قبل اتخاذ خطوات جديدة، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف الرهن العقاري وتشديد الظروف المالية فعليًا.
كما يراقب بنك إنجلترا مؤشرات ضعف الاقتصاد، بما في ذلك ارتفاع البطالة وتباطؤ سوق العمل.
ورغم اختلاف الظروف بين لندن وفرانكفورت، فإن الدرس الأساسي من الأزمات السابقة يبقى حاضرًا: الانتظار طويلًا قد يجعل السيطرة على التضخم أكثر صعوبة، بينما التحرك السريع قد يحول أزمة مؤقتة إلى ركود اقتصادي.
وتضع هذه المعادلة البنوك المركزية الأوروبية أمام اختبار جديد بين حماية استقرار الأسعار وتجنب دفع الاقتصاد إلى تباطؤ أعمق بفعل تداعيات الحرب.



