رئيسيشئون أوروبية

خلاف أوروبي حول ربط تمويل الميزانية بالإصلاحات الحكومية وسط اعتراض عشر دول

تواجه خطة المفوضية الأوروبية لربط صرف أموال ميزانية الاتحاد الأوروبي بتنفيذ إصلاحات حكومية معارضة متزايدة من عدد من الدول الأعضاء، بعدما أبدت عشر حكومات، بينها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، اعتراضها على المقترح خلال مناقشات جرت بين سفراء الاتحاد الأوروبي.

وبحسب دبلوماسيين مطلعين على المفاوضات، تعارض عشر دول آلية “التمويل مقابل الإصلاحات” التي اقترحتها المفوضية الأوروبية ضمن مشروع ميزانية الاتحاد للفترة بين عامي 2028 و2034، والتي تقدر قيمتها بنحو تريليوني يورو.

ويقضي المقترح بأن تلتزم الدول بتنفيذ مجموعة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية، قد تشمل ملفات حساسة مثل إصلاح أنظمة التقاعد ورفع سن التقاعد، قبل الحصول على المدفوعات المخصصة لها من ميزانية الاتحاد.

وأثار هذا التوجه خلافًا جديدًا بين الدول الأعضاء في وقت تتواصل فيه المفاوضات بشأن الميزانية الأوروبية المقبلة، مع سعي الاتحاد إلى التوصل لاتفاق قبل بداية عام 2027، وهو موعد يسبق استحقاقات انتخابية مهمة في عدد من الدول، بينها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وبولندا.

وأعربت دول مساهمة رئيسية في ميزانية الاتحاد، مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، إلى جانب دول تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل الأوروبي، من بينها بولندا والمجر ومالطا، عن رفضها للنموذج المقترح، معتبرة أنه يمنح المفوضية الأوروبية نفوذًا أكبر في رسم السياسات الوطنية ويحد من قدرة الحكومات والأقاليم على إدارة أموال الاتحاد.

ويرى معارضو الخطة أن ربط التمويل بتنفيذ إصلاحات محددة قد يؤدي إلى فرض سياسات لا تحظى بتوافق سياسي داخل الدول الأعضاء، فضلًا عن إمكانية تعطيل صرف الأموال في حال تأخر تنفيذ تلك الإصلاحات.

وقال أحد الدبلوماسيين الأوروبيين المشاركين في المناقشات إن الدول لا ترغب في أن تتحول توصيات المفوضية الأوروبية إلى التزامات إجبارية ترتبط بالحصول على التمويل.

في المقابل، دافعت هولندا عن المقترح خلال الاجتماعات، فيما أيدته أيضًا دول معروفة بتشددها المالي، مثل السويد والدنمارك، معتبرة أن ربط التمويل بالإصلاحات من شأنه تعزيز كفاءة الاقتصادات الأوروبية وتشجيع الدول المستفيدة على تنفيذ إصلاحات هيكلية.

لكن دبلوماسيين من المعسكر المعارض رأوا أن الهدف الحقيقي لبعض الدول المؤيدة يتمثل في تشديد شروط الحصول على الأموال الأوروبية وإبطاء تدفق التمويل إلى المناطق الأقل ثراءً داخل الاتحاد.

ويستند النموذج المقترح إلى تجربة “مرفق التعافي والمرونة” الذي أنشأه الاتحاد الأوروبي بعد جائحة كوفيد-19، حيث ارتبط صرف أموال صندوق التعافي بتنفيذ إصلاحات في مجالات متعددة، من بينها القضاء وأنظمة التقاعد.

وشهدت إيطاليا، على سبيل المثال، تنفيذ إصلاحات قضائية عام 2021 للحصول على جزء من مخصصاتها الأوروبية، فيما أقرت بلجيكا إصلاحات لنظام التقاعد بهدف استيفاء شروط التمويل.

وتعتبر المفوضية الأوروبية هذه التجربة ناجحة، مؤكدة أنها دفعت الحكومات إلى تنفيذ إصلاحات كانت مؤجلة لسنوات، إلا أن عددًا من الدول يرى أن النموذج تسبب أيضًا في تأخير صرف الأموال وزاد من تعقيد الإجراءات الإدارية.

وينص المشروع الحالي للميزانية على إلزام الدول بمعالجة جميع أو معظم التحديات التي تحددها المفوضية الأوروبية ضمن توصياتها الاقتصادية السنوية، باعتبار ذلك شرطًا للحصول على التمويل الأوروبي.

وأصبح هذا الشرط أحد أبرز نقاط الخلاف في المفاوضات، إذ سبق أن عارضت لوكسمبورغ مشروع الميزانية الأولي بسبب اعتراضها على ربط التمويل بالإصلاحات.

وقال وزير خارجية لوكسمبورغ كزافييه بيتيل خلال اجتماع وزاري في يونيو إن جعل الأموال الأوروبية مشروطة بتنفيذ توصيات المفوضية قد يتحول إلى “أفضل حملة دعائية للشعبوية” داخل الاتحاد.

كما أبدت بلجيكا تحفظات على المقترح، معتبرة أن نظامها الفيدرالي يمنح الأقاليم دورًا رئيسيًا في إدارة الأموال الأوروبية، وأن معاقبة الحكومات بسبب عدم تنفيذ الإصلاحات قد ينعكس سلبًا على الأقاليم التي لا تتحمل مسؤولية تلك القرارات.

ومن المتوقع أن يتصدر هذا الملف جدول أعمال القمم الأوروبية المقررة بعد العطلة الصيفية، مع استمرار المفاوضات بين الدول الأعضاء والمفوضية الأوروبية للوصول إلى صيغة توافقية تتيح إقرار ميزانية الاتحاد الجديدة قبل بدء الدورة المالية المقبلة، في ظل تحذيرات دبلوماسيين من اتساع رقعة الخلافات بشأن آليات توزيع التمويل الأوروبي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى