أخبار متفرقةرئيسي

الجفاف المتكرر يستنزف الزراعة الأوروبية ويكشف قصور سياسات الاتحاد

تواجه الزراعة الأوروبية أزمة متفاقمة مع تحول موجات الجفاف إلى ظاهرة متكررة، في وقت تكشف فيه السياسات الزراعية للاتحاد الأوروبي عن عجز متزايد في التعامل مع الأزمات المناخية التي لم تعد أحداثاً استثنائية، بل أصبحت جزءاً من الواقع السنوي للمزارعين في مختلف أنحاء القارة.

وأفاد تقرير نشرته مجلة بوليتيكو الأوروبية بأن توقف الأمطار منذ الربيع في عدد من الدول الأوروبية أدى إلى تراجع حاد في المحاصيل الزراعية، بدءاً من فرنسا وصولاً إلى التشيك، ما أجبر الحكومات على اللجوء مجدداً إلى حزم إنقاذ مالية مخصصة أصلاً للكوارث الطارئة، رغم أن الجفاف أصبح يتكرر بصورة شبه سنوية.

وأوضح التقرير أن معظم برامج الدعم الحالية تقتصر على تعويض المزارعين عن خسائرهم بعد وقوعها، بينما يظل الاستثمار في الوقاية والتكيف مع التغير المناخي محدوداً، الأمر الذي يجعل الاتحاد الأوروبي يعيد تكرار دورة التعويضات كل عام دون معالجة الأسباب الأساسية للأزمة.

وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي، رغم إنفاقه مليارات اليوروهات على السياسة الزراعية المشتركة، لا يمتلك صندوقاً دائماً لتعويض خسائر الجفاف، إذ تعتمد كل عملية دعم على قرارات استثنائية تُتخذ بصورة منفصلة، بينما تؤكد المفوضية الأوروبية أن إنشاء صندوق دائم يتطلب مساهمات مالية إضافية من الدول الأعضاء، وهو ما لم يحظ حتى الآن بتوافق سياسي.

وفي جمهورية التشيك، سجل شهرا مارس وأبريل أقل معدلات هطول للأمطار منذ أكثر من ستة عقود، إذ لم تتجاوز كمية الأمطار 32 مليمتراً، أعقبها ارتفاع شديد في درجات الحرارة تجاوزت معه حرارة التربة خمسين درجة مئوية، ما تسبب في تدمير أجزاء واسعة من محاصيل الذرة المستخدمة في إنتاج الأعلاف.

وأصبح المزارعون هناك يطالبون بالحصول على تعويضات أوروبية خلال الخريف، في وقت تحولت فيه مسألة التعويض عن خسائر الجفاف إلى أحد أبرز الملفات المطروحة على طاولة المفاوضات الخاصة بالميزانية الزراعية الأوروبية الجديدة لما بعد عام 2028.

ويتمحور الخلاف حول مستقبل صندوق الطوارئ الزراعي، الذي أنشئ أساساً للتعامل مع انهيار الأسواق الزراعية والأوبئة والاضطرابات التجارية، لكنه بات يستخدم بصورة متكررة لتعويض خسائر الأحوال الجوية.

وتطالب عدة دول أوروبية بأن تصبح الأضرار المناخية جزءاً ثابتاً من آليات التعويض، بدلاً من انتظار موافقة المفوضية الأوروبية في كل أزمة على حدة.

ورغم هذه المطالب، ترى المفوضية أن حجم الخسائر المناخية أصبح يفوق قدرة أي صندوق مالي على تغطيتها، مؤكدة أن حتى مضاعفة مخصصات صندوق الأزمات لن تكون كافية إذا استمرت موجات الجفاف والحرارة بالوتيرة الحالية.

وتشير خرائط الجفاف الأوروبية إلى تشكل ما بات يعرف بـ”الحزام الجاف” الممتد عبر وسط أوروبا، حيث سجلت دول مثل المجر وبولندا وسلوفاكيا والتشيك ورومانيا وبلغاريا وكرواتيا تراجعاً ملحوظاً في الإنتاج الزراعي هذا الموسم.

وفي المجر، انخفض إنتاج المحاصيل بنسبة تراوحت بين 10 و20 بالمئة مقارنة بمتوسط السنوات الخمس الماضية، فيما أقرت وزارة الزراعة بأن أدوات إدارة المخاطر الحالية لم تعد قادرة على مواكبة التغير المناخي، مطالبة بإصلاح شامل لآليات التأمين والتعويض وزيادة التمويل الأوروبي.

ودعت سبع دول من هذا الحزام إلى تعديل قواعد صندوق الأزمات بحيث تشمل الأضرار المناخية بصورة تلقائية، مع خفض الحد الأدنى للخسائر المطلوبة للحصول على التعويض من ثلث المحصول إلى خمس الإنتاج فقط، إضافة إلى صرف المساعدات قبل استكمال الإجراءات البيروقراطية التي تؤخر وصول الدعم إلى المزارعين.

في المقابل، تدفع المفوضية الأوروبية باتجاه تغيير فلسفة الإنفاق، عبر توجيه مزيد من الأموال إلى مشاريع الوقاية طويلة الأجل، مثل تطوير شبكات الري، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتوسيع برامج التأمين الزراعي بالتعاون مع بنك الاستثمار الأوروبي، بدلاً من الاعتماد المستمر على التعويضات المالية بعد وقوع الكوارث.

لكن هذا التوجه يصطدم أيضاً بخلافات بين الدول الأعضاء، إذ ترى فرنسا أن أموال صندوق الأزمات يجب أن تبقى مخصصة لاضطرابات الأسواق، بينما ينبغي التعامل مع المخاطر المناخية عبر برامج التأمين المدعومة وليس من خلال أموال الطوارئ.

وفي فرنسا نفسها، تعرضت محاصيل الذرة لضربة قوية نتيجة موجات الحر التي تزامنت مع فترة الإزهار، ما أدى إلى فشل تكوين الحبوب واضطرار المزارعين إلى استخدام النباتات كأعلاف، وسط توقعات بأن يكون محصول الذرة هذا العام الأدنى منذ خمسة وعشرين عاماً، بعد انخفاضه بنحو 30 بالمئة مقارنة بالعام الماضي.

وامتدت آثار الجفاف إلى ألمانيا أيضاً، حيث انخفض منسوب نهر الراين إلى مستويات أجبرت سفن الشحن على الإبحار بنصف حمولتها، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف نقل الحبوب والأعلاف داخل أوروبا، وأثر بصورة مباشرة في سلاسل الإمداد الزراعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى