رئيسيشئون أوروبية

الاتحاد الأوروبي يشكك في ضمانات المحاكمة العادلة بعد تثبيت أحكام قضية التآمر في تونس

أثار قرار محكمة التعقيب التونسية تثبيت الأحكام الصادرة في ملف التآمر على أمن الدولة ردود فعل دولية واسعة، حيث عبر الاتحاد الأوروبي عن قلقه العميق إزاء هذه الخطوة القضائية. جاء هذا الموقف في وقت تسعى فيه تونس إلى تعزيز شراكاتها الدولية، بينما تتصاعد الانتقادات الداخلية والخارجية حيال مسار العدالة في البلاد.

أكد ممثلو الاتحاد الأوروبي أن بعض التساؤلات لا تزال قائمة بشأن مدى احترام الضمانات الكاملة للمحاكمة العادلة للمتهمين. وشدد البيان الصادر عن المؤسسة الأوروبية الأحد السادس من سبتمبر الجاري على أهمية الحفاظ على حقوق الإنسان الأساسية، بما في ذلك حرية التعبير والحق في محاكمة نزيهة وعادلة لجميع المواطنين دون تمييز.

تعود جذور هذا الملف القضائي الكبير إلى فبراير عام ألفين وثلاثة وعشرين، عندما أعلنت السلطات التونسية اعتقال مجموعة من الشخصيات السياسية والناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين. ويضم المتهمون في القضية أكثر من أربعين شخصاً، بينهم رجال أعمال ومعارضون سياسيون بارزون، مما يجعلها واحدة من أكبر الملفات القضائية التي تشهدها تونس في السنوات الأخيرة.

وتتمثل التهم الموجهة إلى المتهمين في التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي، وتكوين وفاق إرهابي له علاقة بالجرائم الإرهابية والانضمام إليه. كما اتُهموا بالاعتداء المقصود بهدف تبديل هيئة الدولة أو حث السكان على مهاجمة بعضهم البعض بالسلاح، وإثارة الهرج والقتل والسلب في الأراضي التونسية المرتبطة بجرائم إرهابية.

كما تضمنت الاتهامات الإضرار بالأمن الغذائي والبيئة، وفقاً لما ذكرته مصادر قضائية مطلعة على تفاصيل الملف. وقد أدانت منظمة العفو الدولية قرار محكمة التعقيب، معتبرة أنه يكرس مساراً خطيراً لاستخدام منظومة العدالة لاستهداف المعارضين السلميين وإسكات الأصوات المخالفة للرأي الرسمي.

وأبدى الاتحاد الأوروبي اعتراضه بشكل خاص على استخدام الاتصالات التي جرت بين المتهمين ودبلوماسيين معتمدين لدى تونس، بمن فيهم دبلوماسيون أوروبيون، كأساس لتوجيه الاتهامات أو كأدلة ضدهم. واعتبر هذا الأسلوب انتهاكاً لمبادئ الدبلوماسية والمحاكمة العادلة.

ورغم انتقاداته الحادة المتعلقة بملف المحاكمة، أكد الاتحاد الأوروبي استمرار التزامه بالشراكة الاستراتيجية مع تونس. وأشار إلى أنه سيواصل دعم الشعب التونسي في جهوده الرامية إلى ترسيخ المؤسسات الديمقراطية وتعزيز حقوق الإنسان وحريات التعبير.

ودعا المسؤولون الأوروبيون السلطات التونسية إلى تهيئة الظروف اللازمة للتعددية السياسية، وتمكين الأصوات المستقلة من المشاركة الفاعلة في تنمية البلاد. وأكدوا أن الحوار البناء هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي في تونس.

من جانبها، اعتبرت عدة منظمات حقوقية تونسية ودولية وأحزاب سياسية أن أحكام قضية التآمر الأولى تعسفية، وأن الملف فارغ ولا يتضمن أي إدانة حقيقية. ورأت أن التهم ملفقة وهدفها تصفية المعارضة السياسية في البلاد وتجريم النشاط السياسي السلمي.

وتصاعدت الدعوات المحلية والدولية للإفراج عن المتهمين، وسط مخاوف من تأثير هذه الأحكام على المناخ السياسي العام. وتُعد قضية التآمر على أمن الدولة من أبرز الملفات القضائية وأكثرها إثارة للجدل في تونس منذ أحداث يوليو عام ألفين واحد وعشرين.

وتعود بدايات الأزمة السياسية الحالية إلى إجراءات استثنائية اتخذها الرئيس قيس سعيد، شملت حل البرلمان وإقرار دستور جديد عبر استفتاء شعبي في العام التالي، أعقبته انتخابات تشريعية جديدة. ومنذ ذلك الحين، شدد الرئيس في مناسبات عدة على استقلال القضاء ونفى تدخله في عمله.

في المقابل، تعتبر قوى سياسية معارضة، من بينها حركة النهضة الإسلامية، أن الإجراءات التي اتخذها الرئيس تمثل تكريساً لحكم فردي مطلق. بينما ترى أطراف أخرى أنها تمثل تصحيحاً لمسار ثورة يناير عام ألفين وأحد عشر التي أطاحت بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

وفي سياق متصل، كان آخر التوقيفات في تونس توقيف الصحفي محمد اليوسفي، المعروف بانتقاداته اللاذعة للرئيس قيس سعيد، على خلفية شبهات تتعلق بالإثراء غير المشروع وغسل الأموال. وسبق أن أُودع عدد من الصحفيين السجن، فيما صدر حكم غيابي بالسجن ضد الصحفية خولة بوكريم.

وانقدت نقابة الصحفيين ومنظمة مرصد الحرية القضايا ذات الطابع المالي التي طالت صحفيين ونشطاء، معتبرتين أن تواتر هذه الملاحقات يعكس توجهاً مقلقاً يتمثل في تراكم القضايا القضائية ضد العاملين في المجال الإعلامي والنشطاء السياسيين.

وترى المنظمتان أن تراكم هذه الملفات قد يؤدي إلى إطالة أمد الاحتجاز واستنزاف المعنيين على المستويين القانوني والمهني، فضلاً عن تأثيره السلبي في مناخ حرية الصحافة والرأي والتعبير في تونس، مما يهدد بتراجع كبير في الحريات العامة.

أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار أوروبا بالعربي اعتماداً على ما نشرته وكالات ومصادر إخبارية.

مكتب الشؤون الأوروبية

يغطّي الشأن الأوروبي وشؤون الجاليات العربية في أوروبا والملفّات الدولية. اسم مكتب تحريري لا اسم شخص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى