تونس بين مأساة بن قردان وأزمة الخدمات.. صيف من الغضب والحر

عاشت تونس في الآونة الأخيرة مزدوجةً مؤلمة تجمع بين فاجعة إنسانية على السواحل وأزمة معيشية خانقة في الداخل. فقد أدى انقلاب مركب يحمل خمسة عشر مهاجراً غير شرعي قبالة سواحل بن قردان جنوب شرق البلاد إلى مقتل معظم ركابه، فيما بقي ناجٍ واحد يصارع الموت في أعماق البحر لمدة يومين كاملين قبل أن تنقذه سفينة تجارية. وقد ترك الحادث أثراً عميقاً في المنطقة، لا سيما بعد تأكيد رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان مصطفى عبد الكبير أن سبعة من الضحايا ينتمون إلى عائلة واحدة، مما حول المأساة إلى ألم جماعي واسع.
موجات غضب وشهادات مؤثرة
لم تبقِ الفاجعة داخل البيوت، بل تحولت إلى احتجاجات عنيفة في شوارع بن قردان حيث أغلق المتظاهرون الطرق وأشعلوا الإطارات المطاطية، لتتدخل قوات الأمن بالغاز المسيل للدموع لفرقتهم. وفي الوقت نفسه، انتشر فيديو مؤثر على منصات التواصل الاجتماعي يظهر شاباً يتعرف على جثة شقيقه التي ألقتها الأمواج، وهو المشهد الذي أعاد تداوله التونسيون عبر رسومات كاريكاتورية ومنشورات تعبر عن الصدمة العميقة التي خلفها الحادث.
يعود الدافع وراء هذه الرحلات الخطرة إلى تراجع النشاط الاقتصادي في بن قردان، الذي كان يعتمد بشكل أساسي على المعبر الحدودي مع ليبيا. ومع تقلص فرص العمل وتزايد الضغوط المالية، لجأ العديد من أبناء المنطقة إلى قوارب متهالكة رغم تشديد الرقابة البحرية بدعم أوروبي وإيطالي، والذي أدى إلى تراجع أعداد الرحلات لكنه لم يقضِ تماماً على ظاهرة الهجرة غير النظامية.
أزمة مياه وكهرباء في ذروة الحر
في موازاة المأساة الإنسانية، تمر تونس بصيف غير مسبوق من حيث شدة الظروف المناخية وانهيار الخدمات الأساسية. سجل المرصد التونسي للمياه في يوليو الماضي أعلى حصيلة شهرية من التبليغات حول شح المياه، معتبراً أن البلاد دخلت مرحلة طوارئ مائية حرجة. وقد أدى ذلك إلى ندرة المياه المعبأة في الأسواق، حيث تضطر الأسر لشراء القوارير بأسعار مرتفعة تفوق المعتاد، بينما تعاني شبكات المياه العامة من انقطاعات متكررة وتراجع في جودة مياه الصنابير.
كما تتزامن هذه الأزمة مع موجة حر شديدة وانقطاعات مستمرة للتيار الكهربائي، مما أثر سلباً على الحياة اليومية للمواطنين وحرمهم من استخدام أجهزة التكييف والتبريد. وأشارت منظمة “آلارت” الاقتصادية إلى أن نقص المياه المعدنية يعود جزئياً إلى انقطاع الكهرباء الذي عطل عمل مصانع التعبئة، واصفة الوضع بأنه “أزمة مركبة”. وقد أودت هذه الانقطاعات السابقة بحياة مواطنين بسبب تعطل الأجهزة الطبية المعتمدة على الكهرباء.
احتجاجات سياسية وملاحقات قضائية
امتد الغضب الشعبي ليشمل العاصمة، حيث خرج مئات الأشخاص في مسيرة نظمها تحرك “نَفَس” في العشرين من أغسطس، مطالبين بتحسين الخدمات وإنهاء أزمة نقص المواد والأدوية. ورفع المحتجون شعارات تطالب برحيل الرئيس قيس سعيّد والإفراج عن المعتقلين السياسيين، في ظل انتقادات متزايدة لحريات التعبير منذ إجراءات يوليو 2021 الاستثنائية.
وفي سياق متصل، أثار احتجاز الناشط سيف الدين العرفاوي لثلاثة أيام ثم إصدار أمر بسجنه بتهمة الإساءة للغير عبر مواقع التواصل، جدلاً واسعاً. واعتبرت جمعية “نَفَس” أن هذه الملاحقة تندرج ضمن سياسة التضييق على حرية التعبير والتنكيل بالنشطاء، مؤكدة أن التعبير عن المواقف السياسية يجب ألا يكون جريمة يعاقب عليها القانون.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار أوروبا بالعربي اعتماداً على ما نشرته وكالات ومصادر إخبارية.



