تداخل أزمات الطاقة والاقتصاد: أوروبا وإيران على شفا دوامة جديدة

لم تنته أزمة الغاز في القارة الأوروبية بمجرد تراجع التدفقات الروسية عبر الأنابيب، بل تحولت إلى شكل جديد وأكثر تعقيدا. فقد سعت الدول الأوروبية لتعويض النقص من خلال تعزيز واردات الغاز المسال، والبحث عن موردين جدد يتنوعون بين النرويج والولايات المتحدة والجزائر. لكن هذا التحول الاستراتيجي نقل جزءا كبيرا من الهشاشة الاقتصادية واللوجستية من البر إلى البحر، حيث أصبحت الناقلات والأسواق الفورية والممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز، محور التركيز الرئيسي.
ومع اقتراب فصل الشتاء، سجلت العقود الآجلة الهولندية للغاز، والتي تُعد المؤشر المرجعي الأساسي في السوق الأوروبية، مستويات مرتفعة تجاوزت 75 يورو لكل ميغاواط ساعة. وقد شهد هذا السعر ارتفاعا يقارب عشرة بالمئة خلال ثلاث جلسات تداول فقط، ليصل إلى أعلى مستوياته منذ شهر يناير من عام ألفين وثلاثة وعشرين. ورغم أن هذا الارتفاع لا يعني بالضرورة انقطاعا فوريا للإمدادات، إلا أنه يكشف بوضوح أن تنويع مصادر التوريد لم يمنح القارة الحصانة الكاملة التي كانت تأمل فيها.
إن الغاز المسال ليس مجرد سلعة تجارية عادية يمكن شراؤها وبيعها بحرية تامة، بل هو سلسلة إمداد طويلة ومعقدة تبدأ من مرحلة الإنتاج والإسالة، ثم النقل البحري عبر الممرات الحيوية، وتنتهي عند محطات الاستقبال والخزانات التخزينية. وبعد تراجع الاعتماد على الغاز الروسي، تحركت الحكومات الأوروبية بسرعة لتجنب تكرار صدمة العام الماضي، حيث وسعت من استيراد الغاز المسال وطورت البنية التحتية لمحطات الاستقبال وفتحت قنوات إمداد جديدة لضمان الأمن الطاقي.
وفي أحدث خطوات هذه الاستراتيجية، تتجه ألمانيا نحو إبرام عقود غاز طويلة الأجل مع الجزائر، في محاولة يائسة لتوسيع خياراتها وضمان تدفق الإمدادات قبل حلول البرد القارس. غير أن أوروبا لم تتخلص من هشاشة قطاع الطاقة، بل انتقلت بها من الاعتماد على البر إلى الاعتماد على البحر، مما جعلها أكثر عرضة للتقلبات الجيوسياسية العالمية.
السؤال الجوهري لم يعد يقتصر على تحديد هوية بائع الغاز لأوروبا، بل توسع ليشمل مسار الشحنة وموعد وصولها والتكلفة النهائية لها. فالغاز المسال يتجه عادة إلى الأسواق الأكثر قدرة على دفع أسعار مرتفعة، وإذا ما ارتفعت مخاطر الملاحة أو تكاليف التأمين، تتحول المخاوف بسرعة إلى سباق محموم على الشحنات البديلة، مما يدفع الأسعار للارتفاع حتى قبل حدوث نقص فعلي في المعروض.
هنا تظهر عقدة مضيق هرمز بأهميتها البالغة، إذ كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب نحو عشرين بالمئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية. لذلك فإن أي اضطراب يحدث في هذا المضيق الحيوي لا يبقى أمرا إقليميا أو نفطيا فحسب، بل يضغط بشكل مباشر على سوق الغاز الذي تعتمد عليه أوروبا لتدفئة المنازل وتشغيل صناعاتها.
وتزداد حساسية الموقف الأوروبي بسبب انخفاض هامش الأمان في الخزانات التخزينية. فقد أظهر التقرير أن متوسط امتلاء مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي يبلغ ستة وخمسين بالمئة، بينما بلغت النسبة في ألمانيا خمسة وثلاثين بالمئة وفي هولندا أربعة وأربعين بالمئة فقط. وفي السياق الموازي، تواصل إيران مواجهة ضغوط اقتصادية خانقة بسبب العقوبات الأمريكية على الدولار والريال، مما يخلق تقاطعا خطيرا بين هشاشة الطاقة الأوروبية والاضطراب الاقتصادي الإقليمي.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار أوروبا بالعربي اعتماداً على ما نشرته وكالات ومصادر إخبارية.

