فرنسا تعيد صياغة استراتيجيتها العسكرية تحت ضغط حروب أوكرانيا وإيران

تعيد فرنسا رسم استراتيجيتها العسكرية بشكل جذري، مستفيدة من الدروس الميدانية المستخلصة من الحرب في أوكرانيا والتصعيد في الشرق الأوسط، في تحول يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة الحروب الحديثة التي تعتمد على الكثافة والتكلفة المنخفضة والتكنولوجيا غير المتكافئة.
وأكد مسؤول عسكري فرنسي رفيع أن باريس تعمل على تحديث شامل لقدراتها الدفاعية والهجومية، استعداداً لسيناريوهات مواجهة مستقبلية، خاصة مع روسيا، في ظل توقعات بإمكانية اختبار موسكو لحلف الناتو خلال السنوات المقبلة.
وتشير المعطيات إلى أن الحربين في أوكرانيا وإيران كشفتا عن ثغرات واضحة في الترسانة الغربية، خصوصاً في مواجهة الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، التي أثبتت قدرتها على إرباك الجيوش التقليدية واستنزاف مواردها.
وتركز الاستراتيجية الفرنسية الجديدة على معالجة هذا الخلل، عبر تطوير وسائل أقل تكلفة لاعتراض الطائرات المسيّرة، بدلاً من الاعتماد على الصواريخ الباهظة الثمن. ويشمل ذلك استخدام مروحيات مسلحة لإسقاط الطائرات بدون طيار، وتزويد المقاتلات بصواريخ موجهة بالليزر أقل تكلفة.
كما تعمل باريس على تطوير جيل جديد من الطائرات المسيّرة الاعتراضية بالتعاون مع شركات محلية، في محاولة لمواكبة الإنتاج الكثيف للطائرات الإيرانية من طراز “شاهد”، التي تُستخدم في أوكرانيا والشرق الأوسط.
في هذا السياق، أعلنت الحكومة الفرنسية عن خطط لزيادة إنتاج الذخائر بشكل كبير، مع استثمارات تصل إلى 8.5 مليار يورو بحلول عام 2030، إلى جانب إنشاء خطوط إنتاج إضافية لتلبية الطلب المتزايد على الأسلحة.
ويعكس هذا التوجه تحولاً من نموذج “الحروب المحدودة” إلى نموذج يعتمد على “الحرب الصناعية”، حيث لم تعد المخزونات الصغيرة كافية، بل باتت الحاجة ملحّة لإنتاج كميات ضخمة من الذخائر والمعدات.
وتؤكد الحربان أيضاً على أهمية التفوق الجوي كعامل حاسم في الصراعات الحديثة. فقد أظهرت العمليات الأمريكية والإسرائيلية في إيران قدرة عالية على تحقيق هذا التفوق، مقارنة بفشل روسيا في السيطرة الجوية في أوكرانيا، ما أدى إلى تحول الصراع هناك إلى حرب استنزاف طويلة.
وتشير التقديرات إلى أن الضربات الجوية الغربية في إيران حققت نسبة إصابة عالية جداً، بينما لم تتجاوز دقة الضربات الروسية في أوكرانيا مستويات محدودة، ما يعكس الفارق في السيطرة الجوية والتكنولوجيا.
ويدفع هذا الواقع فرنسا إلى تعزيز قدراتها في مجال قمع الدفاعات الجوية للعدو، عبر تطوير أنظمة صاروخية متقدمة تتيح لها اختراق شبكات الدفاع الجوي المعادية وفرض السيطرة في الأجواء.
في الوقت ذاته، تضع باريس نصب أعينها سيناريو “الصدمة الروسية”، وهو احتمال قيام موسكو باختبار جاهزية الناتو، خاصة على الجناح الشرقي، حيث تعاني بعض الدول من ضعف في القدرات الجوية.
وتشير التحذيرات إلى أن دول البلطيق ورومانيا قد تكون نقاط ضعف في منظومة الحلف، ما يعني أن القوات الجوية لدول أوروبا الغربية، بما فيها فرنسا، قد تجد نفسها في الخطوط الأمامية لأي مواجهة محتملة.
وتعمل فرنسا أيضاً على تعزيز حماية قواعدها الجوية، بعد أن أظهرت الحرب في أوكرانيا قدرة الطائرات المسيّرة على استهداف منشآت عسكرية عميقة داخل الأراضي، ما يفرض إعادة النظر في أنظمة الدفاع التقليدية.
ورغم التركيز على الحلول منخفضة التكلفة، تؤكد باريس أنها لن تتخلى عن الأسلحة المتقدمة، بل تسعى إلى تحقيق توازن بين “الكم” و”النوع”، عبر الجمع بين الذخائر الرخيصة للحرب الاستنزافية، والأسلحة الدقيقة للحسم العسكري.
ويعكس هذا التحول إدراكاً متزايداً بأن الحروب المستقبلية لن تُحسم فقط بالتفوق التكنولوجي، بل أيضاً بالقدرة على الإنتاج والتكيف مع تهديدات غير تقليدية.



