أوروبا تتجه لتشديد القيود على الصين وسط مخاوف من انهيار الصناعة الألمانية

تتجه المفوضية الأوروبية إلى تصعيد المواجهة التجارية مع الصين عبر الدفع نحو قيود أكثر صرامة على الواردات الصينية، مستفيدة من الأزمة المتفاقمة التي تضرب الصناعة الألمانية وتزايد المخاوف من فقدان الوظائف وتراجع القدرة التنافسية داخل الاتحاد الأوروبي.
وقال مسؤولون ودبلوماسيون أوروبيون إن بروكسل تراهن على أن المستشار الألماني فريدريش ميرز سيجد صعوبة متزايدة في مواصلة الدفاع عن العلاقات التجارية المفتوحة مع بكين، في ظل التباطؤ الاقتصادي الحاد الذي يضرب ألمانيا وتصاعد الغضب الشعبي من تراجع القطاع الصناعي.
وبحسب التقرير، تسعى المفوضية الأوروبية إلى إقناع برلين بمنح بروكسل صلاحيات أوسع لحماية الاقتصاد الأوروبي من تدفق السلع الصينية الرخيصة والمدعومة حكومياً، وسط تحذيرات متزايدة من أن “الضغط الصيني الهائل” يهدد مستقبل الصناعة الأوروبية.
وقال إنجين إروغلو، عضو البرلمان الأوروبي الألماني ورئيس وفد البرلمان الأوروبي إلى الصين، إن العلاقات الحالية مع بكين “تُكلّف أوروبا عدداً كبيراً من الوظائف وتعرّض الازدهار للخطر”، معتبراً أن الوضع الحالي “لا يمكن تحمله”.
وأشارت المعطيات الواردة في التقرير إلى أن أوروبا أصبحت أكثر اعتماداً خلال السنوات الأخيرة على المكونات والأجهزة والمعادن الأرضية النادرة القادمة من الصين، بالتزامن مع انتقال المزيد من الوظائف الصناعية الأوروبية إلى الخارج.
وتحاول المفوضية الأوروبية حالياً تسريع العمل على ما تسميه “أداة الحد من فائض الإنتاج”، وهي آلية تستهدف تقليص تدفق السلع الصينية المدعومة التي تغرق الأسواق الأوروبية بأسعار منخفضة.
وقالت المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية، باولا بينهو، إن النقاشات المرتقبة بين كبار المسؤولين الأوروبيين نهاية مايو تأتي في إطار “الحاجة إلى نهج أوروبي موحد” لمواجهة التحديات الاقتصادية والجيوسياسية المتزايدة، مؤكدة أن المسألة لا تتعلق بدولة عضو بعينها بل بمستقبل الاقتصاد الأوروبي ككل.
ويواجه قطاع الصناعة الألماني ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب مع إيران، إلى جانب المنافسة الشرسة من الولايات المتحدة والصين، ما أدى إلى تراجع واسع في التصنيع والكيماويات والصناعات الثقيلة داخل ألمانيا.
ووفق التقرير، فقدت ألمانيا خلال العام الماضي أكثر من 124 ألف وظيفة صناعية، بينما اختفت وظيفة من كل عشرين وظيفة صناعية منذ عام 2019، في مؤشر متصاعد على عمق الأزمة الاقتصادية التي تواجهها أكبر اقتصادات أوروبا.
وقال دبلوماسي أوروبي مؤيد لتشديد القيود التجارية إن الحكومة الألمانية ستجد صعوبة في تبرير استمرار الوضع القائم “إذا نظرنا إلى أرقام فقدان الوظائف وتدمير المصانع”.
كما أظهر استطلاع رأي حديث أن نسبة الراضين عن ائتلاف ميرز الحاكم لا تتجاوز 15 بالمئة، في وقت يحقق فيه حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف تقدماً في استطلاعات الرأي مستفيداً من المخاوف الاقتصادية وتراجع مستويات المعيشة.
وفي ظل هذا المشهد، تحاول بروكسل استغلال الأزمة لدفع ألمانيا نحو تبني سياسة دفاع تجاري أكثر تشدداً تجاه الصين، بعدما كانت برلين لسنوات تتحفظ على أي خطوات قد تؤدي إلى ردود انتقامية صينية ضد شركاتها الكبرى.
ويعتمد قطاع السيارات الألماني بشكل كبير على السوق الصينية، فيما تخشى شركات مثل “سيمنز” و”مرسيدس” و”بي إم دبليو” و”فولكس فاغن” من أن يؤدي التصعيد التجاري إلى خسائر إضافية أو قيود صينية مضادة.
لكن في المقابل، تدفع قطاعات صناعية ومجموعات تصنيع ألمانية باتجاه اتخاذ إجراءات أوروبية أقوى لحماية السوق الأوروبية من المنافسة الصينية التي تصفها بأنها “غير عادلة”.
وقال أوليفر ريختبرغ من اتحاد المهندسين الألمان إن الصين “تستحوذ بشكل متزايد على حصة سوقية باستخدام وسائل غير مشروعة”، محذراً من أن عدم تحرك أوروبا قد يؤدي إلى “أكبر ضرر” يلحق بقطاع الهندسة الأوروبي.
ومن المنتظر أن تناقش رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وكبار المفوضين الأوروبيين هذه الخطط في 29 مايو، قبل عرضها رسمياً على قادة الاتحاد الأوروبي خلال قمة بروكسل منتصف يونيو.
ويبدو أن بروكسل تراهن على أن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة داخل ألمانيا ستدفع برلين أخيراً إلى التخلي عن تحفظاتها التقليدية تجاه الصين، والانضمام إلى توجه أوروبي أوسع يقوم على تقليص الاعتماد على بكين وتشديد القيود التجارية لحماية الصناعة الأوروبية.



