تقرير إسرائيلي يحذر من استنزاف الجيش والميزانية بسبب التوسع الاستيطاني

تكلفة مالية وأمنية باهظة
كشف تقرير نشره الكاتب الإسرائيلي أوري تال تينا في موقع “زمان إسرائيل” عن تداعيات خطيرة للتوسع الاستيطاني الذي تشهده الضفة الغربية، مشيراً إلى أن حكومة الاحتلال تنفق عشرات الملايين من الدولارات منذ نحو أربع سنوات لحماية المواقع الاستيطانية الجديدة. ويؤكد التقرير أن هذا الإنفاق الضخم أدى إلى خلق ثغرات أمنية كبيرة ونقص حاد في أعداد الجنود، وهي عوامل ساهمت بشكل مباشر في تسهيل وقوع هجوم السابع من أكتوبر الماضي.
ويشير الكاتب إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو خصصت مليارات الشواكل لتوسيع المستوطنات، مما زاد العبء الأمني الملقى على عاتق الجيش الإسرائيلي. وتشمل ميزانية الدولة لعام 2026 قرارات بتخصيص مئات الملايين من الشواكل لضمان حماية هذه المستوطنات وتأمين طرقها السريعة ومكوناتها الأمنية. بالإضافة إلى ذلك، تُنفق مليارات أخرى لإنشاء البنية التحتية الأساسية، مثل تعبيد الطرق وتخطيط المستوطنات الجديدة، بما في ذلك البؤر غير القانونية التي أُنشئت دون موافقة حكومية رسمية.
حلقة مفرغة من التوسع والنقص العسكري
ووصف الكاتب الوضع بأنه يدور في حلقة مفرغة، حيث تخلق كل بؤرة استيطانية جديدة حاجة ملحة لبنية تحتية وقوات دفاعية إضافية. وأفاد الجيش بأن المناطق التي يُطلب منه حمايتها في الضفة الغربية تضاعفت تقريباً. وحذر رئيس الأركان إيال زامير من أن توسيع نطاق المهام العسكرية يحدث في وقت يكافح فيه الجيش بالفعل للتعامل مع الأعباء القائمة، ويعاني من نقص في القوى العاملة، بالتزامن مع تصاعد عنف المستوطنين وإرهابهم، وهو ما وصفه زامير بأنه يسبب ضرراً استراتيجياً بالغا للقوة الدفاعية.
وأكد التقرير أن السؤال لا يقتصر فقط على التكلفة المالية للمستوطنات، بل يتعداه إلى تعمد الحكومة زيادة عدد المواقع التي يتعين على الجيش حمايتها، رغم محدودية الموارد المتاحة. ويشير إلى أن هذه الأولوية تأتي على حساب احتياجات أمنية أخرى، بما فيها حماية حدود الدولة والمستوطنات الواقعة على خط المواجهة. ومنذ تشكيل الحكومة الحالية في ديسمبر 2022، ارتفع عدد البؤر الاستيطانية غير القانونية من 160 بؤرة إلى 390 بؤرة، وزادت مساحتها من ربع مليون دونم إلى نحو مليون دونم.
أرقام قياسية في الموازنة والاستيطان
وافقت الحكومة على إنشاء 68 مستوطنة جديدة وشرعنة البؤر الاستيطانية، بما في ذلك نحو 10 آلاف وحدة سكنية جديدة أو معتمدة بأثر رجعي. كما ارتفع عدد سكان المستوطنات بنسبة 15 بالمئة. وفي ميزانية الدولة لعام 2026، تم تخصيص 900 مليون شيكل لبنود ترتبط بمستوطنات الضفة الغربية، منها 475 مليون شيكل للحماية والطرق والأمن، و60 مليون شيكل لإنشاء طرق وصول للمستوطنات الجديدة، و354 مليون شيكل من أموال الائتلاف الحكومي.
وضعت الحكومة إطاراً متعدد السنوات بقيمة 2.158 مليار شيكل لتطوير المستوطنات وبنيتها التحتية، وخطة بقيمة 1.065 مليار شيكل لإنشاء طرق وصول للمستوطنات الجديدة حتى عام 2029. كما وافق مجلس الوزراء على إنشاء 34 مستوطنة جديدة بتمويل حكومي قدره 1.3 مليار شيكل، وتعبيد الطرق المؤدية إليها بتكلفة تتجاوز مليار شيكل. وقررت الحكومة تحويل 112 مليون شيكل لوزارة الإسكان لتخطيط مستوطنات جديدة في الضفة الغربية.
استثمار في العزلة والتوتر
ويؤكد الكاتب أن أولوية الحكومة تتمثل باستثمار ضخم لإنشاء مستوطنات معزولة جديدة، مما يأتي على حساب مجالات أخرى نظراً لمحدودية ميزانية الدولة. وقد قاد الوزراء تركيز الميزانيات والسياسات على المستوطنات المعزولة، والنتيجة أن حدود الاستيطان لا تُحدد وفقاً لمنطق أمني أو اقتصادي، بل وفقاً لأهواء مؤسسي تلك البؤر، الذين يسعون عادة لتأجيج التوتر مع الفلسطينيين. وخلال فترة الحكومة الحالية، ازداد الاستثمار في البؤر الاستيطانية غير الشرعية بشكل ملحوظ.
في عام 2024، خصصت وزارة الاستيطان 75 مليون شيكل لـ”المكونات الأمنية” لكل بؤرة، ومعظمها مزارع رعوية تقع في مناطق توتر مع القرى والبلدات الفلسطينية، وبعضها يقع على أراضي مملوكة لفلسطينيين، في انتهاك صارخ للقانون. ولا يُخصص جزء كبير من هذه الأموال لبناء الأسوار أو الملاجئ، بل يُستخدم لتمويل بناء الطرق للمستوطنات، وتركيب ألواح الطاقة الشمسية، والبوابات الكهربائية، والمركبات، والطائرات المسيّرة، والكاميرات، والمولدات الكهربائية.
ويشير التقرير إلى أن الحكومة تشجع على إنشاء نقاط استيطانية معزولة، مما يزيد من المساحة التي يُطلب من الجيش الدفاع عنها، مما يرتبط مباشرة بالعنف والإرهاب الذي يمارسه المستوطنون. فكثير من مرتكبي الإرهاب اليهودي ينشطون تحديداً في تلك المزارع والبؤر المعزولة، مما لا يسهم بدعم الجيش الإسرائيلي وأمن الدولة، لأنه بات مطالبا بحماية ضعف مساحة الأراضي التي كان عليه الدفاع عنها سابقاً تقريباً، بعد إنشاء عشرات المستوطنات والبؤر، ومضاعفة المساحة التي يسكنها المستوطنون.
ومن وجهة نظر عسكرية، فإن زيادة المساحة التي يجب تغطيتها لا يُعدّ الدفاع إنجازاً، بل على العكس تماماً، فهو يعني الحاجة لمزيد من القوات للسيطرة على المزيد من النقاط والطرق والمساحات. وعندما تكون القوى العاملة محدودة، ينتج عن ذلك تنافس بين المهام، فالقوة المُخصصة لتأمين موقع معزول لا تكون متاحة في الوقت نفسه للدفاع عن الحدود أو للقيام بعمليات هجومية، مما يفسر الجيش مضاعفة مساحة الأراضي باعتباره عبئاً، وليس تعزيزاً.
أُعدّ هذا التقرير في غرفة أخبار أوروبا بالعربي اعتماداً على ما نشرته وكالات ومصادر إخبارية.


