
تصاعد التوتر بين بولندا وأوكرانيا بعد قرار الرئيس البولندي كارول ناووركي سحب وسام “النسر الأبيض”، أعلى تكريم رسمي في البلاد، من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، على خلفية خلاف تاريخي مرتبط بوحدة عسكرية أوكرانية تعود إلى حقبة الحرب العالمية الثانية.
وجاء القرار قبل أيام من زيارة متوقعة للرئيس الأوكراني إلى بولندا، ما وضع أحد أبرز التحالفات الأوروبية الداعمة لكييف في مواجهة روسيا أمام اختبار دبلوماسي صعب، خصوصاً أن وارسو كانت منذ بداية الحرب عام 2022 من أكثر العواصم الأوروبية دعماً لأوكرانيا.
وأثار القرار ردود فعل غاضبة في كييف، حيث وصف وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها الخطوة بأنها “خطأ استراتيجي” لا يخدم سوى موسكو، محذراً من أن تحويل الملفات التاريخية إلى أزمات سياسية قد يضعف وحدة الدولتين في مواجهة روسيا.
وتعود الأزمة الجديدة إلى قرار زيلينسكي إطلاق اسم “أبطال جيش التمرد الأوكراني” على إحدى وحدات العمليات الخاصة في الجيش الأوكراني، تكريماً لدورها في القتال ضد القوات الروسية.
غير أن هذه التسمية أثارت غضباً واسعاً في بولندا، حيث يرتبط جيش التمرد الأوكراني بواحدة من أكثر الصفحات التاريخية حساسية بين البلدين، وهي مجازر فولينيا خلال الحرب العالمية الثانية بين عامي 1943 و1945، عندما قُتل عشرات الآلاف من المدنيين البولنديين خلال حملة تطهير عرقي نفذتها مجموعات قومية أوكرانية.
وقال ناووركي، وهو مؤرخ متخصص في الجرائم التي تعرض لها البولنديون خلال الحقبتين النازية والسوفيتية، إن قراره لا يعني تغيير موقف بلاده الاستراتيجي تجاه دعم أوكرانيا، لكنه شدد على أن بولندا لا يمكنها “خيانة تضحيات الأجداد بالصمت”.
وأضاف أن تسمية وحدة عسكرية أوكرانية باسم جيش التمرد الأوكراني ليست شأناً داخلياً لكييف فقط، لأنها تحمل رمزية مؤلمة بالنسبة لعائلات الضحايا البولنديين.
وكان زيلينسكي قد حصل على وسام النسر الأبيض عام 2023 من الرئيس البولندي السابق أندريه دودا، تقديراً لدوره في تعزيز العلاقات بين البلدين وقيادة أوكرانيا خلال الحرب ضد روسيا.
ويعود تاريخ الوسام إلى عام 1705، ويُعد أرفع تكريم تمنحه الدولة البولندية، وقد حصل عليه سابقاً عدد من الشخصيات البارزة بينهم البابا يوحنا بولس الثاني والزعيم البولندي ليخ فاونسا.
وتسمح القوانين البولندية بسحب الوسام إذا ارتكب الشخص المكرم تصرفاً يجعله “غير جدير” بحمله، إلا أن قرار سحبه من زيلينسكي يعد خطوة غير مسبوقة أثارت نقاشاً سياسياً واسعاً.
وفي أوكرانيا، يُنظر إلى جيش التمرد الأوكراني بشكل مختلف، إذ يعتبره كثيرون حركة قومية قاتلت ضد النازية والاتحاد السوفيتي سعياً لإقامة دولة أوكرانية مستقلة، رغم الجدل الكبير بشأن مسؤوليتها عن قتل المدنيين البولنديين.
وحاول مسؤولون أوكرانيون احتواء الأزمة، مؤكدين أن قرار تسمية الوحدة العسكرية لم يكن موجهاً ضد بولندا أو ضحاياها التاريخيين.
وقال وزير الخارجية الأوكراني إن كييف تعمل مع وارسو لمعالجة الملفات التاريخية الحساسة، بما في ذلك استخراج رفات ضحايا أحداث فولينيا وإعادة دفنهم بشكل لائق.
في المقابل، أثار القرار الأوكراني غضباً داخل الساحة السياسية البولندية، وأظهرت استطلاعات رأي أن أكثر من نصف المشاركين قالوا إن نظرتهم إلى أوكرانيا وزيلينسكي أصبحت أكثر سلبية بعد هذه الخطوة.
وسعى رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، الخصم السياسي للرئيس ناووركي، إلى تخفيف حدة الأزمة، مؤكداً ضرورة عدم السماح للخلافات التاريخية بتدمير التحالف الحالي بين البلدين.
وحذر توسك من أن التصعيد بين وارسو وكييف يخدم مصالح روسيا، داعياً إلى الحفاظ على وحدة الموقف الأوروبي تجاه الحرب.
وتواجه العلاقات البولندية الأوكرانية تحديات أخرى تتعلق بوجود مئات الآلاف من اللاجئين الأوكرانيين في بولندا، إضافة إلى خلافات اقتصادية وزراعية ومخاوف وارسو من تداعيات انضمام أوكرانيا مستقبلاً إلى الاتحاد الأوروبي.
وتحاول كييف منع تحول الخلاف التاريخي إلى أزمة دبلوماسية طويلة الأمد، مؤكدة أن معالجة الماضي يجب أن تبقى في إطار المؤرخين، بينما تبقى الأولوية السياسية لمواجهة التحديات الأمنية الحالية في أوروبا.



