رئيسيشؤون دولية

المستنقعات تعود كدرع دفاعي لأوروبا.. الطبيعة في مواجهة الدبابات الروسية وأزمة المناخ

في فبراير/شباط 2022، وبينما كانت الدبابات الروسية تزحف نحو كييف، خطرت للخبير الدفاعي الأوكراني أوليكساندر دميترييف فكرة بسيطة لكنها فعّالة: تفجير السد الذي كان يقيّد مجرى نهر إربين شمال العاصمة، وإغراق السهل الفيضي المستنقعي الذي جفّفه السوفييت منذ عقود. وبالفعل، تحولت الأرض إلى مستنقع هائل عرقل تقدم القوات الروسية وأغرق دباباتهم في الوحل.

هذا المشهد الذي انتشر عالميًا ألهم اليوم دول الجناح الشرقي لحلف الناتو إلى التفكير في استعادة مستنقعاتها، ليس فقط لردع أي هجوم محتمل، بل أيضًا لتحقيق أهداف بيئية ملحّة في مواجهة تغيّر المناخ.

ولا يقتصر دور المستنقعات على إعاقة تحرك الجيوش. فهي أيضًا أحد أهم خزانات الكربون على الكوكب. ورغم أنها تغطي نحو 3% من الأرض فقط، فإنها تحتجز ثلث الكربون العالمي، أي ضعف ما تخزنه الغابات.

لكن عندما تُجفف هذه الأراضي، تبدأ في إطلاق الكربون المختزن على مدار قرون، مما يزيد من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري. وبحسب التقديرات، فإن نحو 12% من أراضي الخث عالميًا متدهورة، وتنتج 4% من التلوث الحراري، أي أكثر من التلوث الناتج عن الطيران العالمي.

وفي أوروبا، نصف المستنقعات تقريبًا متدهورة بسبب تحويلها إلى أراضٍ زراعية. وقد أبلغ الاتحاد الأوروبي عام 2022 عن 124 مليون طن من الانبعاثات من أراضي الخث المجففة، أي ما يعادل الانبعاثات السنوية لدولة مثل هولندا.

الاتحاد الأوروبي: خطط ترميم إلزامية

القانون الأوروبي الجديد لاستعادة الطبيعة يفرض على الدول الأعضاء إحياء 30% من أراضي الخث المتدهورة بحلول عام 2030 و50% بحلول 2050. وأمام الحكومات حتى سبتمبر/أيلول 2026 لتقديم خططها الوطنية.

يرى العلماء أن الجمع بين إعادة ترطيب المستنقعات وأهداف الدفاع العسكري سيكون حلاً رخيصًا وعمليًا. تقول أفيليينا هيلم، أستاذة استعادة البيئة بجامعة تارتو: “نحن نعمل على خطط وطنية للترميم، وأرى إمكانات كبيرة للجمع بين أهداف المناخ وأهداف الدفاع”.

المستنقعات على حدود الناتو

تتركز معظم أراضي الخث الأوروبية على طول الحدود الشرقية مع روسيا وبيلاروسيا، من فنلندا شمالًا مرورًا بدول البلطيق، وصولًا إلى شرق بولندا. هذه الأراضي الموحلة تشكل بطبيعتها فخًا للدبابات والمركبات الثقيلة.

وقد أظهرت حادثة مؤسفة هذا العام خطورة التضاريس، حين لقي أربعة جنود أميركيين في ليتوانيا حتفهم بانزلاق مركبتهم المدرعة إلى مستنقع. ومع ذلك، فإن هذه الخطورة بالنسبة للمهاجمين يمكن أن تتحول إلى ميزة دفاعية لمن يستعيد المستنقعات عمدًا.

ولم تكن تجربة أوكرانيا مع الروس عام 2022 سوى أحدث الأمثلة. عبر التاريخ، منعت الأراضي المغمورة بالمياه الفيالق الرومانية عام 9 ميلادي، وأوقعت السوفييت في شرك المستنقعات الفنلندية في أربعينيات القرن الماضي، كما شكّلت عائقًا أمام الجيوش خلال الحربين العالميتين.

الجديد اليوم هو أن إعادة ترطيب المستنقعات المجففة عمدًا بات يُطرح كإستراتيجية دفاعية رسمية، تجمع بين الأمن القومي والسياسة البيئية.

فنلندا: مشروع تجريبي قادم

في فنلندا، أبدت وزارتي الدفاع والبيئة استعدادًا لإطلاق مشروع تجريبي هذا الخريف لإصلاح المستنقعات الحدودية. تقول تاريا هارانن، المديرة العامة للطبيعة بوزارة البيئة: “إنه وضع مربح للجميع. المستنقعات تحمي المناخ وتدعم الدفاع في الوقت ذاته”.

فيما أوضح البرلماني الفنلندي باولي آلتو-سيتالا، وهو ضابط دبابات سابق، أنه اقترح رسميًا إعادة ترطيب أراضي الخث على الحدود الشرقية، مضيفًا: “لدينا مناطق ممتازة على الحدود تستحق الاستعادة، ليس فقط لأسباب بيئية بل أيضًا لتسهيل الدفاع”.

أما في بولندا، التي اعتادت التردد بشأن العمل المناخي، فقد ساهم ربط القضية بالأمن القومي في تسريع النقاشات. وزارة الدفاع، ضمن مشروع “الدرع الشرقي” الذي تبلغ كلفته 2.3 مليار يورو، أدرجت بالفعل خططًا لتحسين البيئة عبر استعادة المستنقعات وزراعة الغابات.

ويؤكد فيكتور كوتوفسكي، عضو المجلس الاستشاري للحكومة بشأن الطبيعة: “ما تريده وزارة الدفاع يتوافق تمامًا مع أهداف المناخ. هناك تآزر واضح”.

بينما تضيف الناشطة البيئية البولندية فيكتوريا يودروسكوفياك: “بمجرد الحديث عن الأمن القومي، يصغي الجميع. أراضي الخث وغاباتنا القديمة ستكون حاسمة في الدفاع إذا وصلت الحرب إلى بولندا”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى