الحكومة الفرنسية تبحث مع البنوك آلية لتمويل الحملات الانتخابية وسط أزمة قروض تواجه اليمين المتطرف

بدأت الحكومة الفرنسية مشاورات مع كبار مسؤولي القطاع المصرفي لبحث إيجاد آلية تضمن حصول الأحزاب السياسية على التمويل اللازم لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، في خطوة تأتي على خلفية الصعوبات المتكررة التي واجهها حزب التجمع الوطني اليميني في الحصول على قروض مصرفية لتمويل حملاته الانتخابية.
وعقد مسؤولون من مكتب رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو اجتماعًا مع ممثلين عن البنوك الفرنسية لمناقشة حلول عملية تساعد المرشحين الرئاسيين على الوصول إلى التمويل المحلي، في ظل اعتماد النظام الانتخابي الفرنسي بصورة كبيرة على القروض المصرفية لتمويل الحملات، بسبب القيود الصارمة المفروضة على حجم التبرعات السياسية.
وبحسب مصادر حكومية، تناول الاجتماع عددًا من المقترحات، من بينها إنشاء آلية تمويل مشتركة بين عدة بنوك تتولى منح القروض للمرشحين، مع إمكانية توفير ضمانة جزئية من الدولة لتقليل المخاطر التي تتحملها المؤسسات المالية عند تمويل الحملات الانتخابية.
ويختلف نظام تمويل الحملات في فرنسا عن العديد من الديمقراطيات الغربية، إذ تفرض القوانين سقوفًا منخفضة للتبرعات الفردية والسياسية، ما يجعل القروض المصرفية المصدر الرئيسي لتمويل الحملات الرئاسية، على أن تعوض الدولة جزءًا من هذه النفقات لاحقًا وفقًا للنتائج والضوابط القانونية المعمول بها.
وأصبحت قضية التمويل السياسي محل نقاش متجدد بعد الصعوبات التي واجهتها زعيمة حزب التجمع الوطني مارين لوبان في الحصول على قروض من البنوك الفرنسية خلال الانتخابات السابقة، رغم الشعبية الواسعة التي يتمتع بها حزبها، إذ أبدت مؤسسات مالية تحفظًا على تمويل الحزب خشية تعرضها لانتقادات أو تداعيات على سمعتها بسبب ارتباطه باليمين المتطرف.
وأكد مسؤول في مكتب رئيس الوزراء أن الحكومة ترى ضرورة تمكين جميع المرشحين، بغض النظر عن توجهاتهم السياسية، من الوصول إلى مصادر تمويل فرنسية قانونية لخوض الانتخابات، مشددًا على أن مبدأ تكافؤ الفرص يقتضي عدم حرمان أي مرشح من التمويل إذا استوفى الشروط القانونية.
وأوضح أن الهدف من المبادرة لا يتمثل في دعم حزب بعينه، وإنما في حماية العملية الديمقراطية من الاعتماد على مصادر تمويل خارجية قد تثير تساؤلات بشأن استقلال القرار السياسي أو تفتح الباب أمام تدخلات أجنبية في الانتخابات الفرنسية.
وتأتي هذه المخاوف في ضوء سوابق شهدتها الساحة السياسية الفرنسية، إذ اضطر حزب التجمع الوطني في مراحل سابقة إلى اللجوء إلى قروض من مؤسسات مالية روسية ومجرية بعد تعذر حصوله على تمويل من البنوك الفرنسية، وهو ما أثار حينها جدلًا سياسيًا واسعًا بشأن مصادر تمويل الأحزاب وتأثيرها المحتمل على السياسة الخارجية الفرنسية.
وفي المقابل، نفى مقربون من رئيس الوزراء أن تكون الحكومة بصدد التفاوض مع حزب التجمع الوطني أو العمل لصالحه، مؤكدين أن المبادرة تستهدف جميع القوى السياسية التي قد تواجه صعوبات مماثلة، بما في ذلك الأحزاب الصغيرة أو المرشحون المستقلون الذين غالبًا ما يجدون صعوبة في إقناع البنوك بتمويل حملاتهم.
وأشار المصدر إلى أن الاجتماعات مع القطاع المصرفي تأتي في إطار البحث عن حلول مؤسسية طويلة الأمد تضمن استمرار تمويل الحياة السياسية من داخل فرنسا، بعيدًا عن أي اعتماد على شبكات تمويل أجنبية قد تثير مخاوف أمنية أو سياسية.
ويكتسب هذا الملف أهمية إضافية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل، والتي يتوقع أن تشهد منافسة قوية بين الأحزاب التقليدية وقوى اليمين، في ظل استمرار التحولات التي تشهدها الساحة السياسية الفرنسية وتراجع شعبية بعض الأحزاب التاريخية مقابل صعود التيارات الشعبوية.
ويرى مراقبون أن نجاح الحكومة في التوصل إلى آلية تمويل جديدة قد يسهم في تخفيف الجدل المتكرر حول تمويل الحملات الانتخابية، كما قد يعزز الثقة في شفافية العملية الديمقراطية من خلال تقليل الحاجة إلى التمويل الخارجي وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف المرشحين.
وفي الوقت نفسه، يتوقع أن يثير أي تعديل في آليات التمويل نقاشًا سياسيًا وقانونيًا واسعًا داخل فرنسا، بين من يعتبره خطوة ضرورية لحماية التعددية السياسية، ومن يخشى أن يؤدي إلى زيادة تدخل الدولة في تمويل الحملات الانتخابية أو إلى منح امتيازات غير مباشرة لأحزاب تثير مواقفها انقسامًا داخل المجتمع الفرنسي.


