بريطانيا على رأس قائمة ترامب التجارية – نجاح تكتيكي أم مقامرة محفوفة بالمخاطر؟

في تحول لافت ضمن ديناميات العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي، وجدت بريطانيا نفسها فجأة في مقدمة جدول أعمال الرئيس الأميركي دونالد ترامب التجاري، وهو موقع لم تحظَ به منذ انسحابها من الاتحاد الأوروبي قبل نحو عقد.
فبينما تعاني حكومة كير ستارمر داخليًا من تحديات سياسية واقتصادية، جاء هذا الإنجاز على شكل اتفاق تجاري مع واشنطن يبدو – للوهلة الأولى – كمكافأة سياسية ثمينة، لكنه يخفي خلفه تعقيدات وقيودًا قد تنفجر في وجه لندن لاحقًا.
وقصة الاتفاق لم تبدأ في قاعات المفاوضات الرسمية، بل على الأريكة في شقة داونينج ستريت، حيث قطع ترامب مباراة أرسنال ليتصل بستارمر، مطالبًا بتنازلات فورية في اللحظة الأخيرة تتعلق بالإيثانول ولحم الخنزير الأميركي.
وعلى الرغم من أن لندن رفضت الطلب الخاص بلحم الخنزير، فإنها رضخت فيما يخص الإيثانول، ما سمح بإتمام الصفقة على عجل، والإعلان عنها بطريقة مسرحية يوم الذكرى الثمانين ليوم النصر في أوروبا.
من الناحية السياسية، استثمر ستارمر في علاقة شخصية مع ترامب، متبعًا نهج التودد والتكتيك الهادئ منذ لقائهما في فبراير، وهي مقاربة تختلف جذريًا عن مواقف رؤساء وزراء سابقين، أبرزهم ديفيد كاميرون أو حتى بوريس جونسون الذين غالبًا ما تجنبوا هذا النوع من الحميمية السياسية مع الرؤساء الأميركيين المتقلبين.
اتفاق تجاري أم عرض تلفزيوني؟
الاتفاق المعلن لا يشكل اتفاقية تجارة حرة شاملة، بل هو سلسلة إعفاءات جمركية محددة تشمل تخفيض الرسوم على السيارات البريطانية من 27.5% إلى 10% على 100 ألف سيارة سنويًا، وإلغاء الرسوم على 13 ألف طن من لحوم البقر الأميركية، وتخفيض الرسوم على الفولاذ والألمنيوم البريطانيين.
لكنه، في الواقع، لا يعيد بريطانيا إلى الوضع التجاري الذي كانت تحظى به قبل انسحابها من الاتحاد الأوروبي أو قبل فرض ترامب موجة الرسوم الجمركية الأخيرة.
المثير للانتباه أن الاتفاق جاء في وقت يعاني فيه ترامب من انتقادات داخلية بسبب سياساته التجارية العدوانية، ويواجه ضغوطًا سياسية لإظهار إنجاز ملموس قبل سفره إلى الشرق الأوسط. وبذلك، تصبح بريطانيا شريكًا في إخراج سياسي أميركي أكثر من كونها مستفيدة اقتصادية حقيقية.
نجاح دبلوماسي أم تنازلات مبكرة؟
يدافع فريق ستارمر عن الاتفاق باعتباره ثمرة لنموذج “الواقعية الذكية”، القائم على التفاوض الهادئ والتكتيك المؤسساتي بعيدًا عن الشعارات، وهو ما عبّر عنه وزير التجارة جوناثان رينولدز، والسفير بيتر ماندلسون، ومستشارة التفاوض أماندا بروكس، ضمن فريق محدود العدد ولكن شديد التأثير.
لكن في المقابل، يتساءل منتقدو ستارمر إن كانت الحكومة قد قدمت الكثير في مقابل القليل.
فرغم أن المنتجات الزراعية الأميركية ستدخل معفاة من الرسوم، لم تحصل بريطانيا على تنازلات مقابلة في ملف ضريبة الخدمات الرقمية أو في تخفيف القيود الأميركية المفروضة على الشركات الأوروبية.
الأمر الأكثر إثارة للقلق هو غياب تصويت برلماني شامل على الاتفاق، ما يعزز الشعور بأن العملية تمت بسرية وعجل، ودون رقابة كافية من المؤسسات التشريعية.
تداعيات محلية وشكوك مستقبلية
في الداخل البريطاني، لا يخفى أن الاتفاق أتى في لحظة حساسة سياسيًا، حيث تراجعت شعبية حزب العمال أمام حزب “إصلاح المملكة المتحدة” بقيادة نايجل فاراج، وواجهت الحكومة انتقادات من مزارعين ونواب محافظين يخشون أن يكون الاتفاق مقدمة لتنازلات أوسع في القطاع الزراعي.
ورغم تطمينات الحكومة بأن معايير الصحة النباتية ومعايير الاستيراد ستبقى كما هي، فإن تصريحات ترامب بشأن اللحوم الأميركية، وتحذيرات الاتحاد الوطني للمزارعين من دخول الإيثانول الأميركي، أثارت الشكوك حول الآثار البيئية والاقتصادية للصفقة.
كما أن الاتفاق لا يعالج مخاوف قطاع السيارات البريطاني من رسوم جمركية “وجودية”، وفق ما وصفها أحد النواب، ولا يقدم ضمانات حول التزامات واشنطن الطويلة الأمد تجاه المنتجات الصيدلانية أو قوانين الأمان الرقمي والملكية الفكرية البريطانية.
وفي نظر البعض، استطاع ستارمر أن يحقق خرقًا دبلوماسيًا يُحسب له، عبر قراءة دقيقة لنفسية ترامب، وتوظيف التودد كسلاح تفاوضي. لكن الحقيقة الأوسع هي أن بريطانيا دخلت في لعبة الكبار بمنطق الدولة المتوسطة، وقد تحقق مكاسب محدودة مؤقتة، لكنها قد تُجبر لاحقًا على دفع أثمان باهظة.
كما أن الاتفاق يمثل اختبارًا مبكرًا لموقع بريطانيا في النظام التجاري العالمي بعد “بريكست”، ويضع الحكومة البريطانية أمام معادلة صعبة: إما استمرار هذا النهج التفاوضي المرن والمحفوف بالتنازلات، أو البحث عن خيارات أكثر استقلالية وممانعة في وجه الضغوط الأميركية.



