إسبانيا تقود معركة ديون أوروبية بـ850 مليار يورو.. وألمانيا وهولندا في خط المواجهة

تستعد إسبانيا لإشعال مواجهة سياسية واقتصادية جديدة داخل الاتحاد الأوروبي بعد طرحها مقترحًا يدعو إلى توسيع برنامج الاقتراض المشترك ليصل إلى نحو 850 مليار يورو سنويًا، في خطوة تستهدف خفض تكاليف الاقتراض على الدول المثقلة بالديون، لكنها تصطدم برفض متوقع من ألمانيا وهولندا وعدد من دول شمال أوروبا.
وكشف موقع بوليتيكو أوروبا أن الحكومة الإسبانية وزعت على الدول الأعضاء ورقة نقاش تتضمن إنشاء آلية جديدة تسمح للمفوضية الأوروبية بإصدار ديون نيابة عن دول الاتحاد، على أن يبدأ تطبيقها مع دخول الميزانية الأوروبية الجديدة حيز التنفيذ عام 2028.
ومن المقرر أن يعرض وزير الاقتصاد الإسباني كارلوس كويربو المقترح خلال اجتماع وزراء مالية منطقة اليورو، في وقت يتوقع فيه مراقبون أن يثير المشروع انقسامًا حادًا بين الدول الجنوبية المؤيدة لتوسيع الإنفاق والدول الشمالية التي تعارض تحويل الاقتراض المشترك إلى سياسة دائمة.
ويعد ملف الديون المشتركة من أكثر القضايا إثارة للخلاف داخل الاتحاد الأوروبي، إذ تدافع عنه دول مثل إسبانيا وفرنسا وإيطاليا باعتباره وسيلة لتعزيز الاستثمار وتقليل أعباء التمويل، بينما ترى ألمانيا وهولندا أن الاقتراض الجماعي يحمل الدول الأكثر انضباطًا ماليًا أعباء سياسات الإنفاق التي تنتهجها الحكومات ذات الديون المرتفعة.
وتحاول مدريد إقناع المعارضين بأن الخطة الجديدة ستخفض تكاليف الاقتراض على جميع الدول، مشيرة إلى أن زيادة حجم إصدار السندات الأوروبية ستؤدي إلى تحسين سيولة الأسواق وتقليل الفوائد التي يدفعها الاتحاد الأوروبي على ديونه.
وبحسب الورقة الإسبانية، فإن المشروع قد يحقق وفورات أولية تصل إلى 5 مليارات يورو سنويًا نتيجة انخفاض تكاليف خدمة الدين، على أن ترتفع هذه الوفورات تدريجيًا إلى نحو 25 مليار يورو على المدى الطويل.
وترى الحكومة الإسبانية أن الدول ذات المديونية المرتفعة ستكون المستفيد الأكبر من هذه الآلية، لأنها ستتمكن من الاقتراض عبر المفوضية الأوروبية بأسعار أقل من تلك التي تحصل عليها عند إصدار السندات بشكل منفرد، ما يوفر موارد إضافية يمكن توجيهها إلى الإنفاق الداخلي والاستثمارات.
ويعيد المقترح إلى الواجهة تجربة صندوق التعافي الأوروبي الذي أطلقه الاتحاد عام 2021 عقب جائحة كورونا، عندما وافقت الدول الأعضاء على إصدار ديون مشتركة بقيمة 750 مليار يورو لتمويل برامج التعافي الاقتصادي.
لكن ألمانيا وهولندا وافقتا على تلك الخطوة باعتبارها إجراءً استثنائيًا فرضته ظروف الجائحة، وأكدتا مرارًا رفضهما تحويل الاقتراض المشترك إلى سياسة دائمة داخل الاتحاد.
ورغم أن المفوضية الأوروبية تتمتع بأعلى تصنيف ائتماني عالمي (AAA)، فإن تكاليف اقتراضها لا تزال أعلى نسبيًا بسبب اعتبار المستثمرين أن برامج إصدار الديون الأوروبية مؤقتة وليست مماثلة لإصدارات الحكومات السيادية.
وتراهن مدريد على أن رفع حجم الإصدارات بشكل كبير سيعزز ثقة الأسواق ويخفض علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون، الأمر الذي قد يجعل تكلفة الاقتراض الأوروبي تقترب من مستويات الاقتراض الألماني، وربما تصبح أقل منها مستقبلاً.
ولتشجيع ألمانيا وهولندا على المشاركة، اقترحت إسبانيا إنشاء آلية جديدة تحمل اسم “المرفق السيادي الأوروبي”، تتولى المفوضية من خلالها إصدار السندات وتوجيه التمويل إلى الدول عبر قروض، مع اقتصار المشاركة على الحكومات الملتزمة بالقواعد المالية للاتحاد الأوروبي.
وتشير الخطة إلى أن مشاركة جميع الدول الأعضاء، إضافة إلى آلية الاستقرار الأوروبية، ستسمح بجمع ما يصل إلى 850 مليار يورو سنويًا، وهو ما سيجعل البرنامج أكبر آلية اقتراض مشتركة في تاريخ الاتحاد الأوروبي.
إلا أن نجاح المشروع يبقى مرهونًا بموافقة أكبر الاقتصادات الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا، إذ تعتبر مشاركتها شرطًا أساسيًا لإضفاء المصداقية المالية على البرنامج.
ونقل بوليتيكو عن دبلوماسي أوروبي قوله إن فكرة “سندات اليورو” لا تزال غير مقبولة بالنسبة لعدد من الدول الأعضاء، مشيرًا إلى أن تمرير المشروع بصيغته الحالية سيكون بالغ الصعوبة.
ويرى مراقبون أن المقترح الإسباني يعكس محاولة لإعادة فتح أحد أكثر الملفات حساسية داخل الاتحاد الأوروبي، في وقت تواجه فيه الاقتصادات الأوروبية تحديات متزايدة تتعلق بتمويل الإنفاق الدفاعي، والتحول الأخضر، وتعزيز القدرة التنافسية، ما ينذر بمواجهة سياسية جديدة بين معسكر الجنوب الداعي إلى مزيد من التضامن المالي، ودول الشمال التي تتمسك بسياسات الانضباط المالي وترفض تحمل أعباء ديون شركائها الأوروبيين.


