
تسعى كبرى شركات التكنولوجيا والصناعة الأوروبية إلى فتح قناة اتصال مباشرة مع قيادة الاتحاد الأوروبي بهدف التأثير في صياغة السياسات الاقتصادية والتكنولوجية، وسط تحذيرات من أن البيروقراطية وتعقيد القواعد التنظيمية يهددان قدرة أوروبا على المنافسة أمام الولايات المتحدة والصين.
وطالب رؤساء تنفيذيون لشركات أوروبية كبرى، بينها إيرباص وإيه إس إم إل وإريكسون وميسترال ونوكيا وسيمنز وساب، بتسريع عملية صنع القرار داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وتبني سياسات أكثر دعمًا للشركات الأوروبية الكبرى في مواجهة المنافسة العالمية المتزايدة.
وجاءت هذه المطالب خلال تحركات ضمن مبادرة جديدة تحمل اسم “مبدعو التكنولوجيا الأوروبيون”، والتي تهدف إلى إقامة حوار دائم بين قادة الصناعة الأوروبية والمفوضية الأوروبية برئاسة أورسولا فون دير لاين.
وقال كريستوف فوكيه، الرئيس التنفيذي لشركة إيه إس إم إل الهولندية العملاقة المتخصصة في صناعة معدات الرقائق الإلكترونية، إن أوروبا بحاجة إلى تغيير طريقة تعاملها مع السياسات التنظيمية.
وأضاف فوكيه: “لا يمكنك وضع سياسات معقدة للغاية ثم القول لاحقًا إننا سنقوم بتبسيطها. من الأفضل بكثير صياغة السياسة الصحيحة منذ البداية”.
وأكد أن استمرار التواصل بين الشركات وصناع القرار الأوروبيين أصبح أمرًا ضروريًا، لأن مستقبل أوروبا الصناعي والتكنولوجي بات على المحك.
وقال: “نحن بحاجة إلى حوار مستمر لأن المنافسين الذين نواجههم يقومون بذلك بكفاءة عالية للغاية”.
وتسعى الشركات الأوروبية الكبرى إلى دفع بروكسل نحو تخفيف الإجراءات البيروقراطية، وإعادة النظر في قواعد المنافسة والاندماجات، والسماح بظهور شركات أوروبية ضخمة قادرة على منافسة عمالقة التكنولوجيا الأمريكيين والصينيين.
ويرى قادة الصناعة أن التشريعات الحالية داخل الاتحاد الأوروبي، رغم أهدافها المتعلقة بحماية المنافسة وتنظيم الأسواق، ساهمت في بعض الأحيان في إضعاف قدرة الشركات المحلية على التوسع عالميًا.
وقال غيوم فوري، الرئيس التنفيذي لشركة إيرباص، إن الهدف ليس مجرد ممارسة ضغط لصالح الشركات، بل الدفاع عن قدرة أوروبا على النجاح.
وأضاف: “نحن ننطلق من فهم مشترك بأن ما تفعله أوروبا اليوم ليس ما ينبغي أن تفعله. وإذا كان هذا ضغطًا، فهو ضغط من أجل أوروبا ناجحة”.
وحصلت المجموعة الصناعية على لقاء مباشر مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في أبريل الماضي، حيث نقلت رسالة واضحة مفادها أن أوروبا تحتاج إلى تقليل القيود بسرعة أو المخاطرة بفقدان مكانتها كقوة ابتكار عالمية.
وبعد أيام من هذا اللقاء، وبضغط من بعض الدول الأوروبية وفي مقدمتها ألمانيا، شهدت المناقشات المتعلقة بتنظيم الذكاء الاصطناعي تعديلات لصالح القطاع الصناعي، شملت تخفيف بعض القواعد وتأجيل تطبيق بعض الالتزامات.
وتطالب الشركات أيضًا باستكمال السوق الأوروبية الموحدة وإزالة العوائق الداخلية التي تمنع الشركات من تحقيق الحجم المطلوب للمنافسة عالميًا.
وقال بوريه إيكهولم، الرئيس التنفيذي لشركة إريكسون، إن أوروبا سمحت بتجزئة سوقها بطريقة أضعفت شركاتها.
وأضاف: “لقد سمحنا بتقسيم السوق بالكامل، مما منع ظهور كيانات تمتلك الحجم الكافي للمنافسة. نحن بحاجة إلى إعادة التفكير واعتماد نهج صناعي شامل”.
وتزداد المخاوف الأوروبية خصوصًا في قطاع الذكاء الاصطناعي، حيث تتحرك الشركات الأمريكية والصينية بوتيرة أسرع.
وقال آرثر مينش، المؤسس المشارك لشركة ميسترال الفرنسية للذكاء الاصطناعي، إن عامل الوقت أصبح حاسمًا.
وأضاف: “في مجال الذكاء الاصطناعي، تتطور الأمور بسرعة هائلة. المشكلة أنه خلال عامين قد يكون الوقت قد فات”.
ورغم أن المفوضية الأوروبية بدأت بالفعل تبني توجه أكثر دعمًا للصناعة وخفض القيود التنظيمية خلال الولاية الثانية لفون دير لاين، فإن التقارب المتزايد بين بروكسل وكبار رجال الصناعة أثار انتقادات من جهات تخشى زيادة نفوذ الشركات الكبرى على القرار الأوروبي.
وزادت هذه الانتقادات بعد اختيار رئيس مجلس إدارة سيمنز جيم هاغمان سناب مستشارًا للمفوضية الأوروبية في مجال الذكاء الاصطناعي الصناعي، إذ اعتبر معارضون أن ذلك يعكس علاقة وثيقة أكثر من اللازم بين صناع القرار وعمالقة الصناعة.
لكن قادة الشركات رفضوا هذه الاتهامات، مؤكدين أن التعاون بين الحكومات والقطاع الخاص هو ما سمح لمنافسين عالميين مثل الولايات المتحدة والصين بتحقيق تقدم سريع.
وقال فوكيه إن أوروبا بحاجة إلى الاستفادة من خبرات قطاعها الصناعي بدل النظر إلى أي تعاون باعتباره تضاربًا في المصالح.
ويؤكد قادة التكنولوجيا أن السنوات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت أوروبا ستظل لاعبًا رئيسيًا في الابتكار العالمي، أم ستتحول إلى سوق مستهلكة للتقنيات التي تطورها قوى أخرى.


