انقسام داخل حزب لوبان حول روسيا يهدد موقع فرنسا داخل الناتو

يواجه حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف في فرنسا انقساماً داخلياً متزايداً بشأن كيفية التعامل مع روسيا، في وقت يتصدر فيه استطلاعات الرأي استعداداً للانتخابات الرئاسية المقررة عام 2027، ما يثير مخاوف أوروبية وأطلسية من تداعيات محتملة على سياسة فرنسا الخارجية ودورها داخل حلف شمال الأطلسي.
وكان الحزب، الذي تقوده تاريخياً مارين لوبان ويقوده تنظيمياً حالياً جوردان بارديلا، يُعدّ لسنوات من أكثر القوى السياسية الفرنسية قرباً من موسكو.
غير أن الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022 فرض على الحزب مراجعة علنية لخطابه، ودفع قياداته إلى إدانة الحرب الروسية وتخفيف النبرة المؤيدة للكرملين، في محاولة لإعادة التموضع انتخابياً.
لكن هذا التحول لم ينهِ الخلافات الداخلية. فالحرس القديم داخل الحزب لا يزال يتبنى سردية روسية تقليدية ترى أن توسع حلف الناتو شرقاً هو السبب الرئيسي للحرب، بينما يقود جيل جديد، أقرب إلى بارديلا، توجهاً أكثر تشدداً تجاه موسكو، ويصف روسيا بأنها “تهديد” لأمن أوروبا.
ونقل موقع بوليتيكو عن مسؤولين وأعضاء في الحزب أن التجمع الوطني بات منقسماً فعلياً إلى ثلاثة تيارات: جناح تقليدي موالٍ لروسيا يقوده عضو البرلمان الأوروبي تيري مارياني، وجناح أقرب إلى الغرب وأكثر دعماً لأوكرانيا يرتبط ببارديلا ويقوده بيير رومان ثيونيه، إضافة إلى كتلة واسعة “صامتة” تحاول تجنب الخوض العلني في الملف الروسي إدراكاً لحساسيته الانتخابية.
وتكتسب هذه الانقسامات أهمية استثنائية نظراً لمكانة فرنسا كقوة نووية وعضو محوري في الناتو، فضلاً عن دورها القيادي في النقاشات الأوروبية حول الضمانات الأمنية لأوكرانيا بعد الحرب، بما في ذلك احتمال نشر قوات دولية.
ويرى مراقبون أن وصول إدارة فرنسية تميل إلى موسكو قد يقلب التوازنات داخل الحلف ويضعف الجبهة الغربية في مواجهة روسيا.
ويظل السؤال الأهم مرتبطاً بهوية مرشح الحزب للرئاسة. فبارديلا، البالغ من العمر 30 عاماً، يتصدر حالياً استطلاعات الرأي ويتبنى خطاباً أكثر حذراً تجاه بوتين، بينما تمثل مارين لوبان التيار الديغولي التقليدي المشكك في الولايات المتحدة والداعي إلى التقارب مع موسكو.
وتنتظر لوبان نتيجة استئنافها ضد قرار يمنعها من الترشح، ما قد يعيدها بقوة إلى السباق.
ورغم إدانته العلنية للغزو الروسي، فإن موقف بارديلا لا يخلو من التردد. فقد عارض إرسال صواريخ بعيدة المدى إلى كييف، ورفض فكرة نشر قوات فرنسية في أوكرانيا دون تفويض أممي.
كما امتنع نواب الحزب في البرلمان الأوروبي والبرلمان الفرنسي عن التصويت على قرارات رمزية لدعم أوكرانيا، ما عزز الشكوك حول عمق التحول في موقف الحزب.
ويرى محللون أن تخفيف الخطاب الموالي لروسيا خطوة تكتيكية فرضها المزاج العام الفرنسي الداعم لأوكرانيا، أكثر منه تحولاً استراتيجياً راسخاً.
ويؤكد خبراء أن مستقبل السياسة الخارجية الفرنسية سيعتمد إلى حد كبير على من يقود التجمع الوطني في 2027، وعلى أي جناح سينجح في حسم الصراع الداخلي حول العلاقة مع موسكو.
وفي ظل هذا الغموض، يبقى حزب التجمع الوطني لاعباً صاعداً، لكن انقسامه بشأن روسيا قد يتحول إلى أحد أكثر الملفات حساسية في معركة الرئاسة المقبلة، ليس لفرنسا وحدها، بل لأوروبا والناتو بأكمله.



