خلافات تعرقل قرض أوكرانيا: مساع برلين لحماية صناعات السلاح تفجّر صراعاً أوروبيا

تواجه خطة الاتحاد الأوروبي لتقديم قرض ضخم بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا عقبات سياسية متزايدة، على خلفية خلافات حادة بين الدول الأعضاء حول قواعد إنفاق القرض، وسط مساعٍ ألمانية لتفضيل مصنعي الأسلحة المحليين وربط الاستفادة من التمويل بحجم المساعدات الثنائية المقدمة لكييف.
وتكشف هذه الخلافات صراعاً مفتوحاً داخل الاتحاد بين دعم أوكرانيا عسكرياً من جهة، وحماية الصناعات الدفاعية الوطنية من جهة أخرى.
وبحسب مصادر دبلوماسية في بروكسل، فإن سفراء الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يستعدون لاجتماع حاسم لمناقشة معايير الأهلية للحصول على القرض، في وقت يتعرض فيه الاتحاد لضغط زمني شديد، إذ يُتوقع أن تنفد السيولة المتاحة لأوكرانيا بحلول شهر أبريل المقبل في حال تأخر إقرار التمويل.
ويقود هذا الخلاف محوران رئيسيان داخل الاتحاد. الأول، تقوده فرنسا، ويدفع باتجاه إلزام أوكرانيا بشراء الأسلحة والمعدات العسكرية بشكل أساسي من الصناعات الدفاعية التابعة لدول الاتحاد الأوروبي، في محاولة لتعزيز القاعدة الصناعية العسكرية الأوروبية وضمان عودة جزء من الأموال إلى اقتصادات الدول الأعضاء.
أما المحور الثاني، فيضم نحو 19 دولة من بينها ألمانيا وهولندا، ويدعو إلى منح كييف مرونة أوسع لشراء الأسلحة من خارج الاتحاد الأوروبي عندما لا تتوافر الأنظمة المطلوبة داخله.
غير أن برلين طرحت في الأيام الماضية مقترحاً إضافياً زاد المشهد تعقيداً، يتمثل في تعديل يربط أهلية الاستفادة من أموال القرض بمستوى “سخاء” الدول الأعضاء في تقديم المساعدات العسكرية الثنائية لأوكرانيا.
ويرى منتقدو هذا الطرح أنه يخلط بين دعم كييف وحسابات داخلية تتعلق بالمنافسة بين الصناعات الدفاعية الأوروبية.
ويقول مؤيدو المقترح الألماني إن الهدف منه هو الضغط على الدول الأقل مساهمة لرفع مستوى دعمها العسكري لأوكرانيا.
وفي هذا السياق، اعتبر النائب الليتواني في البرلمان الأوروبي بيتراس أوستريفيتشوس أن توزيع الدعم بين الدول الأعضاء “غير متوازن بشكل صارخ”، معلناً دعمه للمبادرة الألمانية.
في المقابل، يرى دبلوماسيون أوروبيون أن خطوة برلين تحمل بعداً سياسياً موجهاً ضد المبادرة الفرنسية الرامية إلى فرض مبدأ “اشترِ الأوروبي”، محذرين من أن تطبيق الرؤية الألمانية سيمنح قطاع الصناعات الدفاعية الألماني مكاسب كبيرة، في حين قد يضر بدول مثل فرنسا ما لم ترفع مساهماتها العسكرية المباشرة.
وتُظهر الأرقام حجم الفجوة بين الدول الأوروبية في دعم أوكرانيا. فبحسب بيانات معهد كيل للاقتصاد العالمي، خصصت ألمانيا نحو 19.7 مليار يورو كمساعدات عسكرية منذ بدء الغزو الروسي الشامل، مقابل 5.9 مليارات يورو فقط من فرنسا و1.7 مليار يورو من إيطاليا، وهي أرقام تعترض عليها باريس لكنها تبقى مرجعاً أساسياً في النقاش الدائر.
إلى جانب الصراع حول هوية المستفيدين من العقود العسكرية، يبرز قلق آخر يتعلق بمدى قدرة أوكرانيا على تلبية احتياجاتها العسكرية الفعلية. إذ يخشى مسؤولون عسكريون ودبلوماسيون من أن تؤدي القيود الصارمة إلى حرمان كييف من أنظمة حيوية، مثل الدفاعات الجوية المتقدمة، التي لا تُنتج بكميات كافية داخل الاتحاد الأوروبي.
وفي هذا السياق، دعا الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته الاتحاد الأوروبي إلى “وضع احتياجات أوكرانيا في المقام الأول”، مؤكداً أن استمرار تدفق الأسلحة، لا سيما من الولايات المتحدة، يظل عاملاً حاسماً في قدرة كييف على الصمود.
كما تضغط هولندا ودول أخرى لإشراك دول ثالثة، مثل المملكة المتحدة، في العقود الممولة من القرض، وهو توجه يُتوقع أن يحظى بدعم واسع، خلافاً للمقترح الألماني الذي يواجه تشككاً متزايداً داخل أروقة بروكسل.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى مصير قرض الـ90 مليار يورو معلقاً على قدرة الدول الأوروبية على تجاوز حساباتها الوطنية الضيقة، والتوصل إلى صيغة توازن بين دعم أوكرانيا عسكرياً والحفاظ على تماسك الاتحاد في لحظة توصف بأنها اختبار حاسم لوحدته السياسية والاستراتيجية.



