اليونان تفتح الأبواب لعمال آسيا وتغلقها في وجه المهاجرين غير النظاميين

تتجه اليونان إلى إقرار تشريع جديد مثير للجدل، يهدف إلى توظيف عشرات الآلاف من العمال المهاجرين من دول جنوب آسيا، في وقت تشدد فيه العقوبات على المهاجرين الذين دخلوا البلاد بطرق غير شرعية، في محاولة واضحة للجمع بين متطلبات الاقتصاد وضغوط السياسة الداخلية.
ومن المتوقع أن يصوّت البرلمان اليوناني، اليوم الأربعاء، على مشروع قانون “ذا حدين”، تسعى من خلاله الحكومة اليمينية إلى معالجة النقص الحاد في العمالة الذي يضرب قطاعات حيوية مثل السياحة والبناء والزراعة، دون أن تبدو متساهلة في ملف الهجرة غير النظامية، الذي لا يزال قضية شديدة الحساسية لدى شريحة واسعة من الناخبين.
ةيرتكز التشريع الجديد على تبسيط وتسريع إجراءات استقدام العمال الأجانب عبر برامج توظيف ثنائية، تم الاتفاق عليها مع دول مثل الهند وبنغلاديش ومصر.
كما ينص القانون على إنشاء مسار سريع خاص لتلبية احتياجات مشاريع الأشغال العامة الكبرى، في خطوة تعكس حجم الضغط الذي يواجهه سوق العمل اليوناني.
وفي المقابل، يتضمن مشروع القانون إجراءات صارمة ضد المهاجرين الذين دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية، بما في ذلك تشديد العقوبات الجنائية، وتقييد أي فرص مستقبلية لتسوية أوضاعهم القانونية.
وقال وزير الهجرة اليوناني ثانوس بليفريس في تصريحات للتلفزيون الرسمي إن “اليونان بحاجة إلى عمال، لكنها في الوقت نفسه تتخذ موقفًا صارمًا تجاه الهجرة غير الشرعية”.
وتعكس هذه الخطوة أزمة هيكلية في سوق العمل اليوناني. فعلى الرغم من عدم وجود إحصاءات رسمية دقيقة، تشير دراسات أعدتها جمعيات صناعية إلى أن احتياجات البلاد من العمالة تتجاوز ضعف عدد الوظائف التي توافق عليها الدولة سنويًا.
وخلال العامين الماضيين، أقرت الحكومة أكثر من 80 ألف وظيفة للمهاجرين سنويًا، إلا أن نصف هذه الوظائف فقط جرى شغلها فعليًا، ما أدى إلى تعطّل مشاريع وتأثر قطاعات كاملة.
ويأتي ذلك في بلد لا يزال يتعافى من تداعيات أزمات اقتصادية متلاحقة، ويعتمد بشكل كبير على السياحة الموسمية والزراعة، وهما قطاعان يتطلبان أعدادًا كبيرة من العمالة منخفضة ومتوسطة المهارة.
ورغم امتلاك الحكومة أغلبية برلمانية تضمن تمرير القانون، إلا أن المعارضة سارعت إلى إدانته، معتبرة أنه يتجاهل ضرورة دمج المهاجرين الموجودين بالفعل في اليونان، ويتبنى خطابًا قريبًا من اليمين المتطرف.
وينص التشريع الجديد على حرمان المهاجرين غير النظاميين من أي فرصة مستقبلية للحصول على وضع قانوني، كما يلغي بندًا كان يمنح تصاريح إقامة للقاصرين غير المصحوبين بذويهم عند بلوغهم سن 18، بشرط التحاقهم بالتعليم داخل البلاد.
وقال بليفريس أمام البرلمان: “كل من هو غير شرعي الآن سيبقى غير شرعي، وعندما يتم العثور عليه سيُعتقل ويُسجن بين سنتين وخمس سنوات ثم يُعاد إلى وطنه”.
ويثير القانون غضب منظمات حقوق الإنسان، إذ ينص على عقوبات مشددة بحق من يساعد المهاجرين على الدخول أو البقاء بشكل غير نظامي، تشمل أحكام سجن إلزامية لا تقل عن عشر سنوات وغرامات مالية كبيرة.
كما يمنح وزير الهجرة صلاحيات واسعة لإلغاء تسجيل المنظمات غير الحكومية، استنادًا إلى اتهامات جنائية بحق أحد أعضائها فقط، ويسمح بسحب تصاريح الإقامة على أساس الشك، ما يضعف مبدأ قرينة البراءة.
وأعرب أمين المظالم الوطني في اليونان عن “مخاوف جدية” من أن معاقبة الأشخاص على دخولهم البلاد بشكل غير قانوني تتعارض مع الاتفاقيات الدولية الخاصة بمعاملة اللاجئين. وذهب ليفتيريس باباجياناكيس، مدير المجلس اليوناني للاجئين، إلى أبعد من ذلك، واصفًا التشريع بأنه “سياسة ثنائية عدائية وعنصرية”.
وتعكس الخطوة اليونانية تناقضًا يواجهه عدد متزايد من الدول الأوروبية: اقتصادات تحتاج بشدة إلى العمالة الأجنبية، في مقابل رأي عام قلق من الهجرة. وبينما تحاول أثينا الموازنة بين الأمرين، يبدو أن القانون الجديد سيجعل من اليونان نموذجًا صارخًا لهذا التوتر المستمر بين متطلبات السوق وحدود السياسة.



