رئيسيشؤون دولية

كير ستارمر يناور لاحتواء تمرد داخلي يهدد رئاسته للوزراء

يواجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أخطر اختبار سياسي منذ دخوله داونينغ ستريت، في ظل تصاعد الغضب داخل حزب العمال على خلفية فضيحة السفير السابق لدى واشنطن بيتر ماندلسون وعلاقاته بالممول المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين.

وبينما تتزايد الدعوات لإجراءات حاسمة، يسابق ستارمر الوقت لمنع تحوّل الأزمة إلى انقلاب سياسي داخل حزبه.

وكان الأسبوع الأخير الأشد وطأة على ستارمر منذ توليه المنصب، إذ أعادت التسريبات الجديدة تسليط الضوء على قراره تعيين ماندلسون سفيراً للولايات المتحدة العام الماضي.

وبات هذا القرار، الذي دافع عنه سابقاً، عبئاً سياسياً واضحاً مع تغيّر المزاج العام داخل الكتلة البرلمانية، في وقت تتراجع فيه شعبية الحكومة في استطلاعات الرأي وتتراكم الأخطاء الإدارية.

وداخل الحزب، تصاعدت المطالب العلنية بإقالة مورغان ماكسويني، كبير مستشاري رئيس الوزراء وحليف ماندلسون، فيما يتداول نواب في جلسات مغلقة احتمال أن يطال التغيير رأس القيادة نفسها. ويرى كثيرون أن ماكسويني بات رمزاً لنهج إداري مغلق يفاقم عزلة ستارمر بدلاً من حمايته.

وحتى المدافعون التقليديون عن رئيس الوزراء باتوا أكثر تشككاً. وقال كاتب سيرته الذاتية توم بالدوين إن بقاء ستارمر «ممكن لكنه غير مضمون»، مضيفاً أن السياسة في هذه المرحلة «شديدة التقلب»، ولا توجد وصفة سحرية لإنهاء الأزمة.

وأكد أن أفضل ما يمكن لستارمر فعله هو «التركيز على عمله، والتحدث عن القضايا التي تهم الناس، بدلاً من الغرق في صراعات وستمنستر».

عملياً، حاول ستارمر امتصاص الغضب عبر تحركات سريعة. فقد ألقى خطاباً عن إنعاش البلدات المهمّشة، ثم دعا مجموعة من النواب إلى مقره الريفي في تشيكرز، حيث اعتذر عن أخطاء الأسبوع الماضي وسعى إلى إعادة ضبط العلاقة مع كتلته البرلمانية. إلا أن هذه الخطوات لم تُنهِ الشكوك حول قدرته على استعادة زمام المبادرة.

ويتمثل الاختبار الأكثر حساسية في الإفراج المرتقب عن ملفات تعيين ماندلسون. ويخشى مقربون من رئيس الوزراء أن تكشف الوثائق مراسلات محرجة قد تُضعف موقع القيادة أكثر.

ويقول مساعد سابق لستارمر إن الاعتراف الصريح بالخطأ قد يصبح حتمياً: «قد يضطر في النهاية إلى القول: أخطأت في التعيين وأنا نادم».

وتعكس هذه الرؤية قناعة تتزايد داخل الحزب بأن الاستباق أفضل من الدفاع. فبعد اعتذاره العلني لضحايا إبستين، جدد ستارمر اعتذاره للنواب في تشيكرز، في إشارة إلى إدراكه عمق الضرر السياسي. غير أن السؤال المطروح هو ما إذا كان الاعتذار وحده كافياً.

وإحدى الأوراق المطروحة بقوة هي إعادة ترتيب فريق الكواليس. وتدور مناقشات جدية حول تغييرات محتملة في مكتب رئيس الوزراء، وقد لا تُستبعد استقالات خلال عطلة نهاية الأسبوع.

ويُنظر إلى آمي ريتشاردز كخليفة محتملة لماكسويني، فيما تُعد لويز كيسي مرشحة بارزة لتولي منصب وزيرة مجلس الوزراء، بما قد يحد من صورة «نادي الأولاد» داخل داونينغ ستريت.

مع ذلك، يحذر بعض النواب من أن التضحية بماكسويني قد تكون «مسكنًا مؤقتًا» لا يعالج أصل المشكلة، وهو اتجاه الحكومة نفسه. ويقول بالدوين إن هوية الحكومة لا يمكن أن يحددها مستشار، بل رئيس الوزراء، داعياً ستارمر إلى إعادة تأكيد قيمه السياسية وحدسه الشخصي.

على صعيد آخر، يناقش مساعدون خيار تعديل وزاري واسع كـ«انفجار كبير» يعيد خلط الأوراق قبل انتخابات منتصف الولاية المتوقعة في مايو.

ويُطرح اسم أنجيلا راينر للعودة إلى الحكومة، رغم الجدل الضريبي السابق، لما تتمتع به من شعبية داخل القاعدة العمالية. لكن هذه الخطوة محفوفة بالمخاطر في ظل تراجع نفوذ ستارمر.

كما يثير موقع راشيل ريفز تساؤلات إضافية، مع دعوات لإبعادها عن وزارة الخزانة لمنح الحكومة بداية جديدة. غير أن مقربين يحذرون من أن أي تغيير في هذا التوقيت قد يزيد الارتباك بدلاً من احتوائه.

ولا يزال ستارمر متمسكاً بمنصبه، مستفيداً من غياب منافس واضح قادر على قيادة تمرد منظم، لكن مع اقتراب نشر ملفات ماندلسون وتزايد التململ الداخلي، تبدو رئاسته للوزراء في سباق مفتوح مع الزمن، حيث قد يكون «النجاة ممكنة»، لكنها أبعد ما تكون عن المضمونة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى