رئيسيمال و أعمال

 سياسات ترامب تدفع المستثمرين نحو سندات الاتحاد الأوروبي

سجّلت سندات الاتحاد الأوروبي إقبالًا متزايدًا من المستثمرين الدوليين خلال الأشهر الأخيرة، مدفوعة بحالة عدم اليقين التي خلّفتها سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما منح بروكسل فرصة لتعزيز موقعها المالي وتوسيع إصداراتها من الديون.

وأظهرت بيانات حديثة أن مديري الأموال من خارج الاتحاد الأوروبي استحوذوا على نحو 43% من سندات اليورو التي طرحتها المفوضية الأوروبية في المزادات منذ بداية عام 2026، بزيادة قدرها 8 نقاط مئوية مقارنة بمتوسط السنوات الست الماضية.

ويعكس هذا التوجه تحولًا في سلوك المستثمرين العالميين، الذين باتوا ينظرون إلى الاتحاد الأوروبي كملاذ أكثر استقرارًا نسبيًا، في ظل التذبذب الذي يطبع السياسات الاقتصادية والخارجية الأمريكية.

وتشير تقديرات إلى أن المفوضية الأوروبية أصدرت سندات بقيمة 52 مليار يورو منذ مطلع العام الجاري، مقارنة بـ44 مليار يورو خلال الفترة نفسها من عام 2025، في إطار خطة توسع تهدف إلى تمويل أولويات استراتيجية تشمل الدفاع ودعم أوكرانيا.

ويأتي هذا الإقبال في وقت تسعى فيه بروكسل إلى تسويق نفسها كبيئة مستقرة قائمة على التوافق السياسي، في مقابل ما تصفه بمناخ عالمي مضطرب نتيجة قرارات واشنطن، التي تراوحت بين فرض تعريفات جمركية وتهديدات جيوسياسية، وصولًا إلى التصعيد العسكري في الشرق الأوسط.

وأوضح مسؤول أوروبي أن الطلب المتزايد على سندات الاتحاد يعكس رغبة المستثمرين في التعامل مع نظام يحترم القواعد الدولية، ما يعزز جاذبية الأصول الأوروبية في ظل التوترات العالمية.

في المقابل، شهدت الأسواق الأمريكية تحركات عكسية، حيث قامت بنوك مركزية وحكومات ومستثمرون دوليون ببيع سندات خزانة أمريكية بقيمة صافية تجاوزت 80 مليار دولار منذ بدء التصعيد العسكري الأخير.

ورغم أن هذه التحركات لا ترقى إلى نزوح جماعي، نظرًا لحجم سوق السندات الأمريكية الذي يبلغ نحو 31 تريليون دولار، فإنها تعكس تراجعًا نسبيًا في الثقة مقارنة بالسوق الأوروبية الأصغر حجمًا.

واستفاد الاتحاد الأوروبي من هذا التحول لتعزيز مكانته كوجهة استثمارية منخفضة المخاطر، خاصة مع تحسن سيولة سوق سنداته وارتفاع تصنيفها الائتماني.

وأدى ذلك إلى انخفاض الفارق في العوائد بين سندات المفوضية الأوروبية والسندات الألمانية، التي تُعد الأكثر أمانًا في منطقة اليورو، إلى نحو 40 نقطة أساس، مقارنة بـ70 نقطة أساس في عام 2022.

في المقابل، تقدم سندات الخزانة الأمريكية عوائد أعلى بنحو 130 نقطة أساس مقارنة بالسندات الألمانية، ما يعكس ارتفاع المخاطر المرتبطة بها في نظر بعض المستثمرين.

ولا يقتصر الإقبال على سندات الاتحاد الأوروبي على العوامل الجيوسياسية، بل يرتبط أيضًا بانخفاض المخاطر، وزيادة الإصدارات التي حسّنت من سيولة السوق، ما سهّل عمليات الشراء والبيع.

وساهمت الديون المشتركة للاتحاد الأوروبي في تمويل برامج كبرى، من بينها صندوق التعافي من جائحة كورونا بقيمة 650 مليار يورو، إضافة إلى قروض لدعم الإنفاق العسكري بقيمة 150 مليار يورو، وبرامج دعم لأوكرانيا تصل إلى 90 مليار يورو.

وتعكس هذه السياسات تحولًا في نهج الاتحاد الأوروبي، الذي كسر قيودًا تاريخية كانت تمنع إصدار ديون مشتركة، خاصة بعد الضغوط التي فرضتها الأزمات المتتالية.

في الوقت نفسه، يعزز هذا التوجه طموحات الاتحاد الأوروبي لمنافسة الدولار كعملة احتياطية عالمية، رغم استمرار تفوق العملة الأمريكية التي تمثل نحو 56% من الاحتياطيات العالمية، مقابل حوالي 20% لليورو.

ويرى مسؤولون أوروبيون أن التوترات الحالية تدفع المستثمرين إلى تنويع استثماراتهم بعيدًا عن الدولار، ما يفتح المجال أمام اليورو لتعزيز حضوره في النظام المالي العالمي.

وتتزامن هذه التطورات مع خطط أوروبية لزيادة الإنفاق لمواكبة الولايات المتحدة والصين، حيث تشير تقديرات إلى الحاجة لنحو 800 مليار يورو سنويًا لدعم الاقتصاد وتعزيز التنافسية.

وتسعى المفوضية الأوروبية إلى مواصلة إصدار السندات خلال السنوات المقبلة، مع خطط لطرح ديون بقيمة تصل إلى 160 مليار يورو خلال عام 2026، بزيادة عن العام السابق.

في المقابل، تواجه هذه الخطط معارضة من بعض دول الشمال الأوروبي، مثل ألمانيا وهولندا، التي تتحفظ على توسيع الديون المشتركة بسبب مخاوف مالية.

ويتوقع خبراء أن استمرار هذا الاتجاه قد يعزز مكانة اليورو تدريجيًا، دون أن يشكل تهديدًا مباشرًا لهيمنة الدولار في المدى القريب، في ظل الفوارق الكبيرة في حجم الأسواق المالية بين الجانبين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى