رئيسيشؤون دولية

 أزمة تمويل الدفاع تربك ستارمر: خيارات صعبة بين الأمن والرعاية الاجتماعية في بريطانيا

يواجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أزمة متفاقمة في تمويل الإنفاق الدفاعي، في ظل ضغوط متزايدة لتعزيز القدرات العسكرية، مقابل قيود مالية وسياسية تحدّ من قدرته على توفير الموارد اللازمة.

وتأتي هذه الأزمة في وقت تتصاعد فيه التحذيرات داخل المؤسسة العسكرية البريطانية من ما وصفه مسؤولون بـ”التراخي المدمر” في التعامل مع التهديدات الأمنية، وسط مطالب بزيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي.

ويحاول ستارمر تجنب صدام سياسي داخلي، خاصة مع نواب حزبه، من خلال البحث عن حلول تمويلية مؤقتة، بدلاً من إجراء إصلاحات جذرية في نظام الرعاية الاجتماعية، الذي يمثل أحد أكبر بنود الإنفاق الحكومي.

وتعرضت ميزانية الدفاع لتدقيق مكثف خلال الأيام الماضية، حيث انتقد جورج روبرتسون، الأمين العام السابق لحلف الناتو، بطء التحرك الحكومي، محذراً من الاكتفاء بالتصريحات دون اتخاذ خطوات عملية.

وأشار روبرتسون إلى تأخر خطة الاستثمار الدفاعي طويلة الأمد، التي تهدف إلى تحديد أولويات الإنفاق العسكري خلال العقد المقبل، في ظل خلافات بين وزارة الدفاع ووزارة المالية.

وتسعى القيادات العسكرية إلى زيادة التمويل بشكل كبير، بينما تصر وزارة المالية على الحفاظ على الانضباط المالي، ما أدى إلى حالة جمود في اتخاذ القرار.

في هذا السياق، يجد ستارمر نفسه أمام معادلة معقدة، حيث يتعين عليه تعزيز القدرات الدفاعية دون إثارة تمرد سياسي داخلي، خاصة بعد محاولته السابقة لتقليص الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، والتي واجهت رفضاً واسعاً داخل البرلمان.

وأكد نواب من حزب العمال أن أي محاولة جديدة لخفض الإنفاق الاجتماعي ستواجه معارضة شديدة، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات المحلية، وتزايد الضغوط من التيارات اليسارية.

وقال النائب لوك أكهيرست إن رئيس الوزراء يواجه “خيارات سياسية صعبة للغاية”، لكنه شدد على ضرورة المضي قدماً في إعادة تجهيز القوات المسلحة.

في المقابل، تبدو خيارات التمويل محدودة، إذ تواجه الحكومة انتقادات بسبب ارتفاع الضرائب، ما يجعل فرض زيادات جديدة غير مرغوب فيه سياسياً.

كما ترفض وزيرة المالية راشيل ريفز تعديل قواعد الاقتراض، في محاولة للحفاظ على استقرار الأسواق المالية.

ولم تُبدِ الحكومة حتى الآن اهتماماً كبيراً بمصادر تمويل بديلة، مثل إنشاء أدوات استثمارية جديدة أو اللجوء إلى آليات تمويل مبتكرة.

ويرى خبراء ومسؤولون سابقون أن الحل يكمن في إعادة النظر في الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، الذي ارتفع بشكل ملحوظ منذ جائحة كورونا، لكن هذا الخيار يظل سياسياً حساساً للغاية.

في البرلمان، يتفق العديد من النواب على أن الربط المباشر بين تمويل الدفاع وتقليص الرعاية الاجتماعية يمثل خياراً صعباً، بل “خياراً زائفاً” في نظر بعضهم.

قال أحد النواب إن تقليص الإنفاق الاجتماعي قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث يضعف الأمن الاجتماعي دون أن يحقق بالضرورة مكاسب كافية في المجال الدفاعي.

وفي ظل هذا المأزق، يتجه ستارمر نحو حلول جزئية، تعتمد على إعادة توزيع الموارد داخل الحكومة، بدلاً من اتخاذ قرارات كبرى قد تهدد استقراره السياسي.

ومن المتوقع أن يتم تأجيل الإعلان عن خطة شاملة للإنفاق الدفاعي إلى ما بعد الانتخابات المحلية، وربما حتى منتصف العام، في ظل استمرار حالة الجمود.

ويشير مراقبون إلى أن هذا التأجيل قد يضعف موقف بريطانيا على الساحة الدولية، خاصة مع اقتراب قمة حلف الناتو، حيث يُتوقع من لندن تقديم التزامات واضحة بشأن الإنفاق العسكري.

وترى الباحثة صوفيا جاستون أن رئيس الوزراء لن يتمكن من تعزيز علاقاته الدولية أو لعب دور قيادي دون زيادة ملموسة في الإنفاق الدفاعي.

في المقابل، تؤكد الحكومة أنها ملتزمة بتعزيز القدرات العسكرية، مشيرة إلى خطط لزيادة الإنفاق الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة منذ الحرب الباردة. لكن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تمويل هذه الزيادة، في ظل القيود السياسية والاقتصادية الحالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى