أزمة القرار في الاتحاد الأوروبي: بطء القمم يفضح عجز التكتل أمام عالم سريع التحول

تكشف تطورات متسارعة داخل الاتحاد الأوروبي عن أزمة متفاقمة في آليات اتخاذ القرار، مع تصاعد الانتقادات لأداء المجلس الأوروبي وعجزه عن مواكبة التحولات الجيوسياسية المتسارعة، في وقت تتراكم فيه الأزمات الأمنية والاقتصادية حول القارة.
ويؤكد مسؤولون وخبراء أن القمم الأوروبية باتت تعاني من بطء مزمن، حيث تستغرق المداولات ساعات طويلة دون إنتاج قرارات حاسمة، بينما تتغير الوقائع على الأرض بسرعة تفوق قدرة التكتل على الاستجابة.
ويعود هذا الخلل إلى طبيعة البنية التأسيسية للاتحاد، الذي أُنشئ بعد الحرب العالمية الثانية ككيان اقتصادي قائم على التوافق، لا كقوة سياسية أو عسكرية قادرة على اتخاذ قرارات سريعة في أوقات الأزمات.
وقال الأمين العام السابق لحلف الناتو أندرس فوغ راسموسن إن أوروبا تعيش “حالة أزمة دائمة”، وإن آليات اتخاذ القرار الحالية “لم تُصمم للتعامل مع هذا النوع من التحديات”، مشيرًا إلى أن انتظار التوافق الكامل بين 27 دولة لم يعد عمليًا في ظل عالم سريع الاشتعال.
وأظهرت الأشهر الأخيرة سلسلة إخفاقات أوروبية في التوصل إلى مواقف موحدة بشأن ملفات حيوية، من بينها تمويل أوكرانيا، وفرض عقوبات على روسيا، والتعامل مع الحرب في الشرق الأوسط، إضافة إلى ملفات الطاقة والأمن.
في إحدى القمم الأخيرة، انشغل القادة الأوروبيون بمناقشة تفاصيل فنية تتعلق بنظام الكربون، في وقت كانت فيه إمدادات الطاقة تتعرض لاضطرابات نتيجة التوترات في مضيق هرمز، ما عكس فجوة واضحة بين أولويات القمم والواقع الجيوسياسي.
وتعكس هذه الحالة ما وصفه مسؤولون أوروبيون بـ”الشلل المؤسسي”، حيث يتم إعادة طرح القضايا نفسها في قمم متتالية دون حسم، ما يحول الاجتماعات إلى حلقات نقاش متكررة بدل أن تكون منصات لاتخاذ القرار.
وانتقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بطء الاتحاد، مؤكدًا أن التكتل “يحتاج إلى إصلاح”، فيما دعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى إنهاء مبدأ الإجماع في السياسة الخارجية، معتبرة أنه يشكل “عقبة منهجية” تعطل التحرك الأوروبي.
وتُظهر هذه الدعوات إدراكًا متزايدًا داخل المؤسسات الأوروبية بأن آلية “حق النقض” تمنح الدول الفردية قدرة على تعطيل قرارات استراتيجية، ما يضعف قدرة الاتحاد على التصرف ككتلة موحدة.
ورغم ذلك، يدافع بعض المسؤولين عن طبيعة النظام القائم، معتبرين أن التوافق يعكس الطابع الديمقراطي للاتحاد، ويضمن تمثيل جميع الدول الأعضاء في القرارات المصيرية.
ويرى رئيس الوزراء البلجيكي السابق ألكسندر دي كرو أن بطء اتخاذ القرار لا يعني فشلًا هيكليًا، مستشهدًا بسرعة استجابة الاتحاد خلال جائحة كورونا، حيث تم إنشاء صندوق تعافٍ ضخم وتنسيق توزيع اللقاحات.
لكن هذا الدفاع يصطدم بواقع دولي متغير، حيث لم يعد العالم يمنح أوروبا رفاهية “التفكير البطيء”، في ظل تصاعد التوترات الدولية، وتفكك التحالفات التقليدية، وتسارع الأزمات.
ويشير محللون إلى أن الاتحاد الأوروبي يواجه معضلة حقيقية: الحفاظ على طابعه التوافقي الديمقراطي، أو التحول إلى نموذج أكثر مركزية وسرعة في اتخاذ القرار، وهو خيار يحمل بدوره مخاطر سياسية تتعلق بتوازن السلطة بين الدول الأعضاء.
وتتجه بعض المقترحات إلى إنشاء “مجلس أمن أوروبي” بصلاحيات تنفيذية أوسع، أو اعتماد التصويت بالأغلبية بدل الإجماع في القضايا الخارجية، إضافة إلى تعزيز دور المفوضية الأوروبية.
غير أن هذه المقترحات تواجه مقاومة من دول تخشى فقدان سيادتها لصالح مؤسسات مركزية في بروكسل، ما يجعل عملية الإصلاح نفسها معقدة وبطيئة.
وتعكس أزمة القمم الأوروبية خللًا أعمق في بنية الاتحاد، حيث لم تعد الأدوات التقليدية قادرة على إدارة تحديات القرن الحادي والعشرين، من الحروب إلى الأزمات الاقتصادية وسلاسل الإمداد.
وتؤكد الوقائع أن الاتحاد الأوروبي يقف عند مفترق طرق حاسم: إما تطوير آليات اتخاذ القرار لتواكب عالمًا سريع التغير، أو الاستمرار في نمط بطيء يهدد بتحويله إلى لاعب ثانوي في النظام الدولي.



