
يسعى أعضاء في البرلمان الأوروبي إلى إحداث قفزة كبيرة في تمويل قطاع الصحة ضمن الميزانية المقبلة للاتحاد الأوروبي، عبر مقترح يتجاوز 20 مليار يورو، في خطوة تعكس تصاعد القلق بشأن مستقبل السياسات الصحية في أوروبا.
وتريد لجنة الصحة في البرلمان تخصيص تمويل منفصل ومحدد لبرامج الصحة العامة، مع فصل واضح بين تمويل الرعاية الصحية والمشاريع الصناعية المرتبطة بقطاعات مثل الأدوية والأجهزة الطبية.
ويتضمن المقترح تخصيص نحو 15.55 مليار يورو لقطاع الصحة ضمن صندوق التنافسية الأوروبي، منها 5.5 مليار يورو لدعم الصناعات الصحية، مقابل 10.05 مليار يورو مخصصة مباشرة لسياسات الصحة العامة، وهو ما يمثل زيادة تقارب ضعف التمويل الحالي لبرنامج EU4Health.
كما تدفع اللجنة نحو تخصيص موارد إضافية تشمل 2.5 مليار يورو لخطة مكافحة السرطان في أوروبا، و400 مليون يورو لبرنامج HERA Invest المعني بمواجهة التهديدات الصحية مثل الأوبئة ومقاومة المضادات الحيوية.
إلى جانب ذلك، يقترح المشرعون توسيع التمويل ليشمل مجالات أخرى مرتبطة بالصحة، مثل الصحة الرقمية التي قد تحصل على ملياري يورو، والصحة العسكرية والتأهب الصحي التي قد تُخصص لها 5.2 مليار يورو ضمن ميزانيات الدفاع.
وتأتي هذه التحركات في ظل مخاوف متزايدة من خطة المفوضية الأوروبية لدمج برامج تمويل متعددة، بما فيها برنامج EU4Health، ضمن صندوق موحد للتنافسية للفترة 2028-2034، وهو ما قد يؤدي إلى تقليص التمويل المخصص للصحة لصالح مشاريع الابتكار الصناعي.
وحذرت جهات صحية من أن هذا الدمج قد يضر بالمشاريع الوقائية التقليدية، مثل حملات الإقلاع عن التدخين أو الوقاية من أمراض القلب، والتي قد لا تُصنف كمشاريع “ابتكارية” ضمن معايير الصندوق الجديد.
في هذا السياق، أكد عضو البرلمان الأوروبي رادان كانيف، الذي يقود إعداد مسودة التقرير، أن هذه الأرقام ضرورية لإظهار أهمية سياسة صحية أوروبية قوية، مشيرًا إلى أن التمويل المقترح يهدف إلى تحقيق توازن بين دعم الصناعة وتعزيز الصحة العامة.
رغم ذلك، يواجه المقترح تحديات داخل البرلمان نفسه، حيث تظل لجنة الصحة جهة استشارية فقط، فيما تعود الكلمة الفصل إلى لجنة الصناعة والبحوث، ما يقلص من قدرة مؤيدي زيادة التمويل على فرض رؤيتهم.
وأوضح عضو البرلمان كريستيان إهلر أن هناك دعمًا لفكرة التمويل المخصص للصحة، لكنه أشار إلى عدم التوصل بعد إلى اتفاق بشأن الأرقام النهائية، بسبب عدم وضوح حجم الميزانية العامة للاتحاد الأوروبي.
وتأتي هذه النقاشات في وقت يواجه فيه الاتحاد الأوروبي تحديات مالية متزايدة، تشمل تداعيات الحروب، وأزمة الطاقة، وسداد ديون جائحة كورونا، ما يزيد من صعوبة التوصل إلى توافق حول أولويات الإنفاق.
ويُعد برنامج EU4Health، الذي تبلغ ميزانيته الحالية 5.3 مليار يورو حتى عام 2027، أول برنامج أوروبي مخصص بالكامل لتمويل مشاريع الصحة، وقد تم اعتماده بعد ضغوط خلال جائحة كورونا لتعزيز الأنظمة الصحية.
إلا أن المقترحات الحالية بإلغائه أو دمجه في صندوق أوسع أثارت انتقادات من منظمات صحية أوروبية، التي ترى أن ذلك يشير إلى تراجع أولوية الصحة في السياسات الأوروبية بعد الجائحة.
وزيادة التمويل قد تسهم في تحسين توفر الأدوية داخل الدول الأوروبية الصغيرة، وتعزيز قدرة أوروبا على المنافسة في قطاع علوم الحياة أمام الولايات المتحدة والصين. مع ذلك، يبقى مستقبل هذه المقترحات مرهونًا بالمفاوضات بين مؤسسات الاتحاد والدول الأعضاء، وسط توازنات معقدة بين متطلبات الاقتصاد والأمن والصحة.
وتعكس هذه التحركات تحوّلًا في إدراك صناع القرار الأوروبيين لأهمية الاستثمار في الصحة، لكنها في الوقت ذاته تكشف حدود هذا التوجه في ظل أولويات متنافسة وضغوط مالية متزايدة داخل الاتحاد الأوروبي.



